فان العقل لا يقبل إلا ما علمه بديهة، أو ما أعطاه الفكر. و قد بطل إدراك الفكر له (-تعالى-) ، فقد بطل إدراك العقل له من طريق الفكر. و لكن بما هو عقل، إنما حده أن يعقل و يضبط ما حصل عنده. فقد يهبه الحق المعرفة به، فيعقلها لأنه عقل، لا من طريق الفكر. -هذا ما لا نمنعه.
فان هذه المعرفة التي يهبها الحق-تعالى-لمن يشاء من عباده، لا يستقل العقل بإدراكها، و لكن يقبلها، فلا يقوم عليها دليل و لا برهان، لأنها وراء طور مدارك العقل.
ثم هذه الأوصاف الذاتية لا تمكن العبارة عنها، لأنها خارجة عن التمثيل و القياس. فإنه (-تعالى-) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ . فكل عقل لم يكشف له من هذه المعرفة شيء، يسأل عقلا آخر قد كشف له منها.
(و لكن) ليس في قوة ذلك العقل المسؤول العبارة عنها، و لا يمكن. و لذلك قال الصديق: "العجز عن درك الإدراك إدراك". و لهذا الكلام مرتبتان.
فافهم! فمن طلب اللّٰه بعقله، من طريق فكره و نظره، فهو تائه. و إنما حسبه التهيؤ لقبول ما يهبه اللّٰه من ذلك. فافهم! و أما القوة الذاكرة، فلا سبيل (لها) أن تدرك العلم بالله، فإنها إنما تذكر ما كان العقل، قبل، علمه ثم غفل أو نسى. و هو لم يعلمه. فلا سبيل للقوة الذاكرة إليه (-تعالى! -) و انحصرت مدارك الإنسان، بما هو إنسان و ما تعطيه ذاته و له فيه كسب. و ما بقي إلا تهيؤ العقل لقبول ما يهبه الحق من معرفته -جل و تعالى! -. فلا يعرف (الإنسان الحق) أبدا من جهة الدليل، إلا معرفة الوجود، و أنه الواحد المعبود-لا غير. فان الإنسان المدرك لا يتمكن له أن يدرك شيئا أبدا إلا و مثله (أي مثل الشيء المدرك) موجود فيه، و لو لا ذلك (ل) م