و هذه الأشياء لا توجد في اللّٰه-تعالى-. فلا يعلمه العقل أصلا من حيث هو ناظر و باحث. و كيف يعلمه العقل من حيث نظره؟ و برهانه الذي يستند إليه (هو) الحس، أو الضرورة أو التجربة. و الباري-تعالى-غير مدرك بهذه الأصول التي يرجع إليها العقل في برهانه. و حينئذ، يصح له (أي للعقل) البرهان الوجودي.
فكيف يدعى العاقل أنه قد علم ربه من جهة الدليل؟ و أن الباري معلوم له؟ و لو نظر (العاقل) إلى المفعولات الصناعية، و الطبيعية و التكوينية، و الانبعاثية، و الابداعية، و رأى جهل كل واحد منها بفاعله، - لعلم أن اللّٰه-تعالى-لا يعلم بالدليل أبدا. لكن يعلم أنه موجود، و أن العالم مفتقر إليه افتقارا ذاتيا، لا محيص له عنه البتة. قال اللّٰه-تعالى-: يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ أَنْتُمُ اَلْفُقَرٰاءُ إِلَى اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ .
فمن أراد أن يعرف لباب التوحيد فلينظر في الآيات الواردة في التوحيد من الكتاب العزيز، الذي وحد (اللّٰه) بها نفسه. فلا أحد أعرف من الشيء بنفسه. فلتنظر بما وصف (الحق) نفسه، و سل اللّٰه-تعالى- أن يفهمك ذلك! فستقف (حينئذ) على علم إلهى لا يبلغ إليه عقل بفكره
أبد الآباد. و سأورد من هذه الآيات، في الباب الذي يلي هذا الباب، شيئا يسيرا. -و اللّٰه يرزقنا الفهم عنه-آمين! -و يجعلنا من العالمين الذين يعقلون آياته!
الباب الثالث في تنزيه الحق-تعالى-عما في طى الكلمات التي أطلقها عليه-سبحانه-في كتابه و على لسان رسوله من التشبيه و التجسيم