فالأسماء التي تطلب"التنزيه"هي الأسماء التي تطلب"الذات"لذاتها، و الأسماء التي تطلب"التشبيه"هي الأسماء التي تطلب"الذات"لكونها إلها. فأسماء"التنزيه": كالغنى و الأحد و ما يصح أن ينفرد (الحق) به، و أسماء"التشبيه"كالرحيم و الغفور و كل ما يمكن أن يتصف به العبد حقيقة من حيث ما هو مظهر لا من حيث عينه لأنه لو اتصف به من حيث عينه لكان له الغنى، و لا غنى له أصلا.
(الأعيان التي هي المظاهر لا يزول عنها اسم الفقر)
فإذا اتصفت هذه الأعيان، التي هي المظاهر، بمثل الغنى و تسمت بالغنى، -فيكون معنى ذلك (بالنسبة إلى الأعيان) الغنى بالله عن غيرها من الأعيان، لا أن العين غنى بذاته. و هكذا كل اسم تنزيه. فله
(أي للأعيان) هذه الأسماء من حيث ما هي مظاهر. فان كان المسمى لسان الظاهر فيها فهو كونه إلها، فهو أقرب نسبة إلى"الذات"من لسان المظهر إذا تسمى بالغنى. فالمظهر لا يزول عنه اسم الفقر مع وجود اسم الغنى، المقيد، له، فالظاهر فيه إذا تسمى بالغنى يصح له، لأنه يعطى جودا و منة، و هو الوهاب الذي يعطى لينعم و قد يعطى ليعبد، فلا يكون هذا عطاء تنزيه بل هو عطاء عوض:
ففيه طلب. قال تعالى: وَ مٰا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ -فإعطاء هذا الخلق (هو) إعطاء طلب، لا إعطاء هبة و منة، و إعطاء الوهب (هو) إعطاء إنعام، لا لطلب شكر و لا عوض. -
"يهب لمن يشاء إناثا و يهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا و إناثا -و هو الخنثى، ثم وصف (تعالى) نفسه في ذلك بانه"عليم قدير"- و هو وصف يرجع إليه، ما طلب منهم في ذلك عوضا كما طلب في قوله "و ما خلقت الجن و الانس إلا ليعبدون"-فمنزلة خلقهم له ما هو منزلة خلقهم لهم: فخلقهم لهم (هو) من أسماء"التنزيه"، و خلقهم له (هو) من أسماء"التشبيه". -و هذا القدر كاف في الغرض.