فاعلم أن لفظة"كان"تعطى التقييد الزمانى، و ليس المراد هنا به ذلك التقييد، و إنما المراد به الكون الذي هو الوجود. فتحقيق"كان" أنه حرف وجودى، لا فعل يطلب الزمان. و لهذا لم يرد (عن النبي) ما يقوله علماء الرسوم من المتكلمين، و هو قولهم"و هو الآن على ما عليه كان"- فهذه زيادة مدرجة في الحديث ممن لا علم له بعلم"كان"، و لا سيما في هذا الموضع. -و منه"كان اللّٰه عفوا غفورا"و غير ذلك مما اقترنت به
لفظة"كان". و لهذا سماها بعض النحاة، هي و أخواتها، حروفا تعمل عمل الأفعال. و هي، عند سيبويه، حرف وجودى: و هذا هو الذي تعقله العرب. و إن تصرفت ("كان") تصرف الأفعال، فليس من أشبه شيئا من وجه ما يشبهه من جميع الوجوه. - بخلاف الزيادة بقولهم: "و هو الآن"-فان"الآن"يدل على الزمان، و أصل وضعه (أنه) لفظة تدل على الزمان الفاصل بين الزمانين: الماضي، و المستقبل. و لهذا قالوا في"الآن": "إنه حد الزمانين".
فلما كان ("الآن") مدلوله الزمان الوجودي، لم يطلقه الشارع في وجود الحق، و أطلق"كان"لأنه حرف وجودى. و تخيل فيه الزمان لوجود التصرف: من"كان""يكون"فهو"كائن"و"مكون"، ل"قتل"، "يقتل"فهو"قاتل"و"مقتول". و كذلك"كن"-بمنزلة"اخرج".
فلما رأوا (-أعنى علماء الرسوم-) في"الكون"هذا التصرف الذي يلحق الأفعال الزمانية، تخيلوا أن حكمها (أي"كان") حكم الزمان، فادرجوا"الآن"تتمة للخبر (النبوي) و ليس منه. فالمحقق لا يقول قط: "و هو الآن على ما عليه كان"-فإنه لم يرد. و (لا) يقول (المحقق) على اللّٰه ما لم يطلقه على نفسه، لما فيه من الإخلال بالمعنى الذي تطلبه حقيقة وجود الحق خالق الزمان. فمعنى ذلك (أي معنى: "كان اللّٰه و لا شيء معه") اللّٰه موجود و لا شيء معه. أي ما ثم من وجوده واجب لذاته غير الحق، و الممكن واجب الوجود به لأنه مظهره، و هو (-تعالى-) ظاهر به، و العين الممكنة مستورة بهذا الظاهر فيها. فاتصف هذا الظهور و الظاهر بالإمكان: حكم عليه به عين المظهر الذي هو الممكن. فاندرج الممكن في واجب الوجود لذاته عينا، و اندرج الواجب الوجود لذاته في الممكن حكما. -فتدبر ما قلناه!
(لا ينبغي لنا أن نشرح ما ليس بذوق لنا)
و اعلم أن كلامنا في شرح ما ورد إنما هو على قول الولى إذا قال مثل هذا اللفظ أو نطق به من مقام ولايته، لا من مقام الرتبة التي منها بعث رسولا. فان الرسول إذا قال مثل هذا اللفظ في المعرفة بالله، من مقامه الاختصاصى، فلا كلام لنا فيه و لا ينبغي لنا أن نشرح ما ليس بذوق لنا، و إنما كلامنا فيه من لسان الولاية. فنحن نترجم عنها باعلى وجه يقتضيه حالها. هذا غاية الولى في ذلك.