بقوله: لاٰ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ -و من فضل فقد فرق. -فلو لا وحدانية الأمر ما كان عين الجمع عين الفرق. كما أن السالك يمسي حنبليا أو حنفيا، مقتصرا على مذهب بعينه يدين اللّٰه به، لا يرى مخالفته.
فينتهى به هذا المشهد إلى أن يصبح يتعبد نفسه بجميع المذاهب، من غير فرقان. و من هنا يبطل النسخ عنده الذي هو رفع الحكم بعد ثبوته، لا انقضاء مدته.
(منتهى كل عسكر إلى فعله الذي وجه إليه)
فالى ما ذكرناه منتهاهم على حسب ما أعطتهم عساكرهم. فان العساكر تختلف: فان جند الرياح ما هي جند الطير، و جند الطير ما هو جند المعاني الحاصلة في نفوس الأعداء كالروع و الجبن. فمنتهى كل عسكر إلى فعله الذي وجه إليه: من حصار قلعة، أو ضرب مصاف، أو غارة، أو كبسة. كل عسكر له خاصية، في نفس الأمر، لا تتعداه. قال تعالى
في الطير: تَرْمِيهِمْ بِحِجٰارَةٍ ، و قال في الريح: مٰا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّٰ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ، و قال في الرعب: وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ . -فانظر منتهى كل عسكر إلى ما أثر في نفس من عسكر إليه. -فالحق لا يتقيد إذ كان هو عين كل قيد. فالناس بين محجوب و غير محجوب. -جعلنا اللّٰه ممن أشهد الحق في عين حجابه، و في رفع حجابه، و فيما كان له من وراء حجابه!