ثم انتقلوا عن مرتبة هؤلاء، بان قالوا: لنا أن نسلك طريقة أخرى في فهم هذه الكلمات. و ذلك بان نفرغ قلوبنا من النظر الفكرى، و نجلس
مع الحق-تعالى-بالذكر، على بساط الأدب و المراقبة و الحضور، و التهيؤ لقبول ما يرد علينا منه-تعالى-حتى يكون الحق-تعالى-(هو الذي) يتولى تعليمنا على الكشف و التحقيق، لما سمعته يقول: وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اَللّٰهُ و يقول: إِنْ تَتَّقُوا اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقٰاناً وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً وَ عَلَّمْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا عِلْماً .
فعند ما توجهت قلوبهم و هممهم إلى اللّٰه-تعالى-و لجات إليه، و ألقت عنها ما استمسك به الغير من دعوى البحث و النظر و نتائج العقول، - كانت عقولهم سليمة، و قلوبهم مطهرة فارغة. فعند ما كان منهم هذا الاستعداد، تجلى الحق لهم معلما. فأطلعتهم تلك المشاهدة على معانى هذه الأخبار و الكلمات دفعة واحدة. و هذا ضرب من ضروب المكاشفة. فإنهم إذا عاينوا بعيون القلوب من نزهته العلماء، المتقدم ذكرهم، بالإدراك الفكرى، لم يصح لهم عند هذا الكشف و المعاينة أن يجهلوا خبرا من الأخبار التي، توهم التشبيه، و لا أن يبقوا ذلك الخبر منسحبا، على ما فيه من الاحتمالات النزيهة، من غير تعيين.
بل يعرفون الكلمة و المعنى النزيه الذي سيقت له، فيقصروها (أي الكلمة التي توهم التشبيه) على ما أريدت له. و إن جاء، في خبر آخر، ذلك اللفظ عينه
فله وجه آخر، من تلك الوجوه المقدسة، معين عند هذا المشاهد. -هذا حال طائفة منا.