فهؤلاء الأصناف لا بد من ذكرهم في هذا الباب، ليقع عند السامع تعيين هذه الصفة، و منزلة هذا الموصوف بها. و كذلك"أولو النهى"
و"أولو الأحلام"و"أولو الألباب"و"أولو الأبصار": فما نعتهم اللّٰه بهذه النعوت سدى. و المتصفون بهذه الأوصاف قد طالعهم الحق بما تقتضيه هذه الصفات، و ما تثمر لهم من المنازل عند اللّٰه. فان هذا الباب باب شريف، من أشرف أبواب هذا"الكتاب": يتضمن ذكر الرجال، و علوم الأولياء. و نحن نستوفيها-إن شاء اللّٰه-أو نقارب استيفاء ذلك، على القدر الذي رسم لنا، و عينه الحق تعالى في"واقعتنا". فان"المبشرات" هي التي أبقى اللّٰه لنا من آثار النبوة التي سد بابها و قطع أسبابها، فقذف به في قلوبنا، و نفث به الروح المؤيد القدسي في نفوسنا، و هو الإلهام
الإلهي و العلم اللدني، نتيجة الرحمة التي أعطاها اللّٰه من عنده من شاء من عباده.
(أولياء اللّٰه الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون)
فمنهم-رضى اللّٰه عنهم-"الأولياء". قال تعالى: أَلاٰ إِنَّ أَوْلِيٰاءَ اَللّٰهِ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ -مطلقا، و لم يقل: "في الآخرة".
فالولى من كان"على بينة من ربه"في حاله، فعرف ماله باخبار الحق إياه على الوجه الذي يقع به التصديق عنده. و بشارته (-جل و علا-) حق، و قوله صدق، و حكمه فصل: فالقطع حاصل. -فالمراد ب"الولى"من حصلت له"البشرى"من اللّٰه، كما قال تعالى: لَهُمُ اَلْبُشْرىٰ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ فِي اَلْآخِرَةِ لاٰ تَبْدِيلَ لِكَلِمٰاتِ اَللّٰهِ ذٰلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ -