ف"ما بعث نبى إلا من أربعين سنة"-فإنه غاية استحكام العقل، و قوة سلطانه، و ابتداء ضعف الطبيعة. ثم يمشى بحكمه فيما بقي من عمره:
في وفور من عقله، و نقص من طبيعته.
(المحرم من المقام الأبعد في طلب المقام الأقرب)
فمن أحرم من المقام الأبعد يطلب المقام الأقرب-و كلاهما معبد- كان المحرم برزخا بينهما، و كان المعبدان طرفيه. فما لم يصل إليه هو"ما تأخر من ذنبه"، و ما تقدم عنه هو"ما تقدم من ذنبه"-فغفر له ما بين المسجدين. و"الغفر"-الستر. فوجبت له الجنة، لأنها ستر عن النار لمن دخل فيها. و ذاته ستر على نار شهواته. فباطن الجنة نار محرقة، لأن الشهوة من الإنسان متحكمة فيها، و هي نار طبيعته بلا شك. فما زال العبد السعيد مكتنفا بالستر: في التقدم أن لا تصيبه عقوبة الذنب، و في التأخر اكتنف بستر الحفظ و العصمة أن لا يصيبه الذنب. فهو ممن وجبت
له الجنة إذا كان هذا حكمه، فهو مستور في كنف اللّٰه. فهو في الجنة و إن كان في الدنيا.
حديث عشرون: في"التنعيم"أنه ميقات أهل مكة