ذكر أبو داود عن صالح بن حسان أن النبي-ص- رأى رجلا محرما محتزما بحبل أبرق فقال: "يا صاحب الحبل! ألقه"- فيحتجون بمثل هذا الحديث أن المحرم لا يحتزم، و النبي-ص- ما قال له: "ألقه لأنك محرم"-فما علل للإلقاء بشيء. فيحتمل أن يكون لكونه محرما، و يحتمل أن يكون لأمر آخر. و هو أن يكون ذلك
الحبل إما مغصوبا عنده، و إما للتشبه بالزنار الذي جعل علامة للنصارى.
(الاحتزام مأخوذ من الحزم)
اعلم أن"الاحتزام"مأخوذ من"الحزم"-و هو الاحتياط في الأخذ بالأمور التي يكون في الأخذ بها حصول السعادة للإنسان و مرضاة الرب، إذا كان الحزم على الوجه المشروع في الوجه المشروع. و الحبل-إذا كان حبل اللّٰه-هو السبب الموصل إلى إدراك السعادة. فان كان ذلك المحتزم احتزم بحبل اللّٰه، (كان فعله هذا) معلما بأخذ الشدائد و الأمور المهمة. و قال له (النبي) : "ألقه! "-فإنما ذلك مثل قوله: "من يشاد هذا الدين يغلبه"، و قوله: "إن هذا الدين ستين فأوغل فيه برفق". و كان كثيرا ما يأمر
-ص-بالرفق. و قال: "إن اللّٰه يحب الرفق في الأمر كله".
و الحزم ضد الرفق، فان الحزم سوء الظن، و قد نهينا عن سوء الظن. و الأمر أيسر مما يتخيله الحازم. و هو يناقض المعرفة، فإنه لا يؤثر في القدر الكائن.