فلما بانت المراتب للأعيان، و أثرت الطبيعة الشح في الحيوان،
و وفره في حقيقة نفس الإنسان لما ركبه اللّٰه عليه في نشأته من وفور العقل و تحكيم القوى الروحانية و الحسية منه، -انجرت الغيرة المصاحبة للشح الطبيعي: فكان (الإنسان) أكثر الحيوان غيرة، لأن سلطان الشح و الوهم فيه أقوى مما في سواه. و العقل ليس بينه و بين الغيرة مناسبة في الحقيقة، و لهذا خلقه اللّٰه في الإنسان لدفع سلطان الشهوة و الهوى الموجبين لحكم الغيرة فيه. فان الغيرة من مشاهدة الغير، المماثل، المزاحم له فيما يروم تحصيله، أو (ما) هو حاصل له من الأمور التي إذا ظفر بها واحد لم تكن عند غيره به.
و قد جبله اللّٰه على الحرص و الطمع (و هو) أن يكون كل شيء له و تحت حكمه، لإظهار حكم سلطان"الصورة"التي خلق عليها. فان من حقيقتها أن يكون كل شيء تحت سلطانها. حتى أن بعض الناس أرسل حكم غيرته فيما لا ينبغي أن يرسلها، فغار على اللّٰه و ما خلق! و لا كلف (العبد) إلا أن
يغار لله، لا على اللّٰه. فبهذا بلغ من العبد سلطان استحكامها في الإنسان، فألحقته بالجاهلين.
(العقل الكامل خلق لربه لا لغيره)
و العقل الكامل يعلم أنه خلق لربه لا لغيره. و علم (العقل) بذاته أن من خلقه لا يمكن (له) أن يزاحمه في أمر، و لا يعارضه في حكم. فيقول: