الزيت مادة الأنوار، و المحرم أولى به من كل متلبس بعبادة، لكثرة المناسك في الحج. فان لم يكن نوره قويا ممدودا بالنور الإلهي الذي أودع اللّٰه في الزيت و أمثاله من الأدهان لبقاء النور، -و إلا يفوته كثير من إدراك معانى المناسك. فنبه (النبي) بالادهان بالزيت على الأمداد الإلهي للنور. قال تعالى: يَكٰادُ زَيْتُهٰا يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نٰارٌ نُورٌ عَلىٰ نُورٍ - فجعله نورا، يَهْدِي اَللّٰهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشٰاءُ -و الهداية لا تكون إلا بدليل، و لا دليل هنا إلا الزيت، وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ - فكل ما أبقى عليك وجود النور فذلك النور مجعول له. و مراعاة الأصول من التمكن في العلم و الحكمة.
حديث خامس عشر: في اختضاب المرأة بالحناء ليلة إحرامه
ذكر الدارقطني عن ابن عمر أنه كان يقول: "من السنة أن تدلك المرأة بشيء من الحناء عشية الإحرام و تغلف رأسها بغسلة ليس فيها طيب و لا تحرم عطلا"-العطل: الخالية من الزينة.
(الحق أولى من تجمل له)
في الصحيح: "إن اللّٰه جميل يحب الجمال"، و"الحق أولى من تجمل له"، خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ . -أراد (الشارع) أن يلحقها (أي المرأة) بليلة القدر بين الليالي، فان سائر الليالي عطل من زينة ليلة القدر. كذلك المرأة إذا أحرمت بغير زينة. و لما كانت (المرأة) مامورة بالستر، و في الإحرام مامورة بالكشف، -أراد أن يبقى
(الشارع) لها ضربا من حكم الستر في زمان إحرامها، فاختضبت بالحناء، فسترت بياضها حمرة الحناء، فكانت زينة و سترا. - فأباح (الشارع) للمرأة، في هذا الحديث، التزين بزينة اللّٰه، و زينة اللّٰه أسماؤه. و المرأة، في الاعتبار، نفس الإنسان. فمن تخلق باسماء اللّٰه و صفاته فقد تحلى"بزينة اللّٰه التي أخرج لعباده"في كتابه و على ألسنة رسله، و لا سيما في الأشهر الحرم، و لا سيما شهر ذى الحجة. و أعنى بالأشهر الحرم التي للحاج أن يحرم فيها. و الإحرام كله شهرة، فإنه لا ستر فيه، و سبب إزالة الستر فيه و التجرد إنما هو لكونه جعل (الإنسان به) محرما، فمنع من أمور كثيرة كان يفعلها في زمان حله. فجبره (الشارع) بازالة الستر الذي يقتضي التحجير، حتى لا يجمع عليه تحجيرين: الستر و الإحرام.