(طهارة القلوب من الشهوات المردية)
فكثر خير اللّٰه و طاب، و طهر اللّٰه قلوبهم من الشهوات المردية لا من أعيان الشهوات. فأبقى أعيان الشهوات عليهم، و أزال تعلقها بما لا يرضى اللّٰه.
فلما أوقفهم بعرفات أظهر عليهم أعيان الشهوات لتنظر إليها الملائكة. و لما كانت الملائكة لا شهوة لهم، كانوا مطيعين بالذات، و لم يقم بهم مانع شهوة يصرفهم عن طاعة ربهم. فلم يظهر سلطان لقوة الملائكة عندهم، إذ ليس لهم منازع، فكانوا عقولا بلا منازع. فلما أبصرت الملائكة عقول هؤلاء العبيد، مع كثرة
المنازعين لهم من الشهوات، و رأوا حضرة البشر ملأى منها، -علموا أنه لو لا ما رزقهم اللّٰه من القوة الإلهية على دفع تلك الشهوات المردية فيهم، ما أطاقوا، و أنهم ربما لو ابتلاهم اللّٰه بما ابتلى به البشر من الشهوات، ما أطاقوا دفعها. فقصرت نفوسهم عندهم، و ما هم فيه من عبادة ربهم، و علموا"أن القوة لله جميعا"، و أن اللّٰه له بهم عناية عظيمة السلطان.
و هذا كان المراد من اللّٰه التباهي مع هذه الحالة. و لذلك وصف الحق نفسه بالدنو منهم ليستعينوا بقربه على دفع الشهوات المردية من حيث لا تشعر الملائكة. ثم يقول اللّٰه (تعالى) للملائكة-و هو أعلم-: "ما أراد هؤلاء"؟ لينظروا (أي الملائكة) إلى سلطان عقولهم على شهواتهم، و ما هم فيه من الالتجاء و التضرع، و الابتهال بالدعاء، و نسيان كل ما سوى اللّٰه في جنب اللّٰه.