فذلك عين الجزاء، حكم به عدلان و هما الكتاب و السنة. فان كان الجزاء مثلا، فيبحث عن جاهل عنده حكمة لا يعرف قدرها، فيبين له عن مكانته
حتى يحيى بها قلبه، فيقتل متعمدا من ذلك الشخص عين الجهل القائم به الذي كان سبب إضاعة هذا العلم عنده. -و صورة العقوبة و الوبال فيه عليه أنه حرم حكمة ذلك الجهل في ذلك الجاهل، حتى رآها صفة مذمومة منهيا عنها، مستعاذا بالله منها في قوله: أَعُوذُ بِاللّٰهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْجٰاهِلِينَ فحرم ما هو كمال في نفس الأمر، إذ كان"الجهل"من جملة الأسرار المخزونة في أعيان الجاهلين. فحفظها (-الأسرار) تبرى العالم منها. فكأنهم تبرءوا عن حقائقهم. فالذي تبرءوا منه وقعوا فيه، فإنهم تبرءوا من الجهل بالجهل لو عقلوه! فحكم جهلهم فيهم أعظم من جهل الجهلاء. فإنهم ما تفطنوا لقول اللّٰه: فَلاٰ تَكُونَنَّ مِنَ اَلْجٰاهِلِينَ -فلا ينتهى إلا عن معلوم محقق عنده، فإنه إن لم يعلم الجهل فلا يدرى ما نهى عنه، و إذا علمه
فقد اتصف به. فان الجهل إن لم يكن ذوقا، فلا يحصل العلم به فإنه من علوم الأذواق.
(العلم بالله عين الجهل به)
ألا ترى الطائفة قد أجمعوا على أن العلم بالله عين الجهل به -تعالى-. و قال اللّٰه تعالى في"الجاهل": ذٰلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ -فسمى الجهل علما لمن تفطن. و هي صفة كيانية حقيقة للعبد، إن خرج منها ذم، و إن بقي فيها حمد. فإنه ما علم من اللّٰه سوى ما عنده، و ما عنده ينفد فإنه عنده. و ما"هو هو"لا ينقد. "و هو هو"عين الجهل، و الذي عنده عين العلم. فهو عين الدلالة و الدليل و هو الدال. فهو عين العلم بالله.