و فيه إلقاء التفث و الوسخ، و إزالة الشعث من الحاج. و من قوة التمني الذي سمى به"منى"أنه يبلغ بصاحبه، الذي هو معدم مما تمناه، مبلغ من عنده ما تمناه هذا المتمنى بالفعل على أتم الوجوه. مثل رب المال يفعل به أنواع الخير، و ينفقه في سبل البر ابتغاء فضل اللّٰه. فيتمنى العديم أن لو كان له مثله لفعل فعله. فهما في الأجر سواء. بل هو (-العديم) أتم، فإنه يحصل له الأجر التام على أكمل وجوهه من غير سؤال. فان صاحب الفعل يسأل عنه: من أين جمعه؟ و هل أخلص في إخراجه؟ و بعد هذا التعب و المشقة يحصل على أجره. و المتمنى يحصل على ذلك (كله) من غير سؤال و لا مشقة.
(بعد رمى الجمار يحلق الحاج رأسه)
من بعد رمى الجمار يحلق (الحاج) رأسه، أعنى جمرة العقبة،
يوم النحر. و إنما سميتها جمارا و إن كانت جمرة واحدة في ذلك اليوم، فان كل واحدة من الحصى بإضافتها إلى الأخرى تسمى جماعة. فهي جمار بهذا النظر. كما نقول: إذا اجتمع جوهران كانا جسمين، أي انطلق على كل واحد منهما باجتماعه مع الآخر (اسم) جسم، فهما جسمان بهذا النظر.
كما قال (تعالى) : وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنٰا زَوْجَيْنِ -و ما خلق من كل شيء إلا زوجا واحدا، ذكرا و أنثى مثلا، فسماه زوجين بهذا الاعتبار الذي ذكرناه. لأن كل واحد بالنظر إلى نفسه، دون أن يضم إليه هذا الآخر، لا يكون زوجا، فإذا ضم إليه آخر انطلق على كل واحد منهما اسم زوج، فقيل فيهما: زوجان. و لما اعتبر اللّٰه هذا بالذكر، لذلك قلنا نحن: "ثم بعد رمى الجمار"-فسمينا جمرة العقبة جمارا، إذ كانت عدة حصيات. فما في كلامنا حشو، لأنه لا تكرار في الوجود للاتساع الإلهي