و لما كانت (حقيقة الحقائق) تقبل القدم و الحدوث، كان الحق يتجلى لعباده على ما شاءه من صفاته. و لهذا السبب ينكره قوم في الدار الآخرة، لأنه-تعالى! -تجلى لهم في غير الصورة و الصفة التي عرفوها منه.
و قد تقدم طرف منه في الباب الأول من هذا الكتاب. -فيتجلى للعارفين على قلوبهم (في الدنيا) و على ذواتهم في الآخرة عموما-فهذا وجه من وجوه الشبه. و على التحقيق الذي لاخفاء به عندنا، أن حقائقها (أي الصفات الإلهية) هي المتجلية للصنفين في الدارين، لمن عقل أو فهم من اللّٰه-تعالى- المرئي في الدنيا بالقلوب، و (في الآخرة ب) الأبصار، مع أنه-سبحانه- منبئ عن عجز العباد عن درك كنهه فقال: ﴿لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار و هو اللطيف الخبير﴾(فهو) لطيف بعباده بتجليه لهم على قدر طاقتهم، (و هو) خبير بضعفهم عن حمل تجليه الأقدس على ما تعطيه الألوهة. إذ لا طاقة للمحدث على حمل جمال القديم.
كما لا طاقة للأنهار بحمل البحار. فان البحار تفنى أعيانها، سواء وردت
عليه و ورد عليها. أعنى (أن) البحر لا يبقى لها (أي للأنهار) أثرا يشهد و لا يميز. فاعرف ما ذكرناه و تحقق! .
و أعلى ما يشبهها (أي حقيقة الحقائق) من المحدثات، الهباء الذي خلق فيه صور العالم. ثم النور أنزل منه (الهباء) في الشبه بها (بحقيقة الحقائق) . فان النور صورة في الهباء، كما أن الهباء صورة فيها (في حقيقة الحقائق) . و أنزل شبها من النور بها، الهواء. و أنزل منه، الماء. و أنزل منه، المعادن. و أنزل منه، الخشب و أمثاله. إلى أن تنتهي إلى شيء لا يقبل إلا صورة واحدة، إن وجدته! فتفهم هذا حتى يأتي بابه من هذا الكتاب، إن شاء اللّٰه! فهذه الحقيقة التائهة، التي تتضمن الحقائق التائهات، هي الجنس الأعم، التي تستحق الألف و اللام الحمل عليه بذاتها. و كذلك عهدهما يجريان حقيقتيهما، على علم ما وقع فيه العهد بين الموجودين. فعلى أي موجودين، لأمر كان بينهما، من جهة كل واحد منهما بالنظر إلى أمر ثالث، -كانتا لعهد ذلك الأمر الثالث الذي يعرفانه، و على حقيقتهما: الألف لأخذ العهد، و اللام لمن أخذ عليه (العهد) و كذلك (الشأن بالنظر إلى) تعريفهما و تخصيصهما.
(فالألف و اللام) إنما يخصصان شيئا، من جنسه، على التعيين ليحصلا العلم به عند من يريد المخبر أن يعلمه إياه. فعلى أية حالة كان المخصص و الشيء، الذي بسببه ظهرت هاتان الحقيقتان، انقلبتا (أي الألف و اللام)
في صورة: و هذا هو الاشتراك الذاتي. فان كان الاشتراك في الصفة، و نريد أن نميز الأعظم منهما للمخاطب، فتكونا (الألف و اللام) عند ذلك للتعظيم في الوصف، الذي تدخلان عليه.