فتعينت عليه الأجرة-سبحانه-بتعيينه عوضا مما أعطاه من نفسه فيما استخدمه (الحق) فيه، و ترك مباحه: الذي هو له، و تخييره.
و من رأى أن العوض إنما يستحقه من وقعت له المنفعة في ذلك التبليغ، طلب الأجرة من المتعلم: لأن المنفعة هو حصلها، فالعوض يطلب منه. فموضع الإجماع ثبوت الاجارة، لأن المانع لا يمنعها من جانب الحق، و إنما يمنعها من جانب الخلق غيرة أن يعبد (الحق) لأمر لا لعينه (-سبحانه-) لما في ذلك من عدم تعظيم الجناب الإلهي و هذا موجود كثيرا. مثل النهى أن يفرد يوم الجمعة بصيام لعينه. و كذلك قيام ليلتها، و كذلك من يستحسن فعل عبادة بموضع يستحسنه. و ليس هذا من شأن القوم، فإنهم قد أدركوا حرمان ذلك ذوقا و خسرانه.
(باعث الحق و باعث الطبع)
مر رجل من القوم مع جماعة ممن سخر لهم الهواء، و هم
يسيرون فيه. فالتفت واحد منهم في طريقه. فنظر إلى الأرض، و إذا هم قد حاذوا بقعة خضراء، فيها عين خرارة. فاستحسن ذلك طبعا. فخطر له لو ركع فيها ركعتين! فسقط من بين الجماعة (على سطح الأرض) ، و ما رجع بعد ذلك إلى تلك الحالة. لأنه ما طلب العبادة لما يستحقه (جناب) الحق، و إنما كان الباعث لذلك الطلب الطبع في ذلك المكان لحسنه طبعا. فعوقب! فمن رأى هذا قال: لا اجرة إلا من اللّٰه، إذ العمل بذاته يطلب الأجرة و لا بد.