ففرح الصائم (هو) لحوقه بدرجة نفى المماثلة. و كان فرحه بالفطر في الدنيا، من حيث إيصال حق النفس الحيوانية التي تطلب الغذاء لذاتها. فلما رأى العارف افتقار نفسه الحيوانية النباتية إليه، و رأى جوده بما أوصل إليها من الغذاء أداء لحقها الذي أوجبه اللّٰه عليه، -قام في هذا المقام بصفة حق. فاعطى بيد اللّٰه. كما يرى الحق عند لقائه بعين اللّٰه.
فلهذا فرح (الصائم) بفطره، كما فرح بصومه عند لقاء ربه.
(الصيام صفة صمدانية و الحق جزاؤه)
بيان ما يتضمنه هذا الخبر. -و لما كان العبد موصوفا ذو صوم، و استحق اسم الصائم بهذه الصفة، ثم بعد إثبات الصوم له سلبه
الحق عنه و أضافه إلى نفسه فقال: "إلا الصيام فإنه لي"-أي صفة الصمدانية-و هي التنزيه عن الغذاء-ليس إلا لي، و إن وصفتك به فإنما وصفتك باعتبار تقييد ما من تقييد التنزيه، لا باطلاق التنزيه الذي ينبغي لجلالى، فقلت: "و أنا أجزى به"-فكان الحق جزاء الصوم للصائم إذا انقلب إلى ربه، و لقبه بوصف"لا مثل له"و هو الصوم.
إذ كان لا يرى من"ليس كمثله شيء"إلا من"ليس كمثله شيء! " كذا نص عليه أبو طالب المكي، من سادات أهل الذوق. -"من وجد في رحله فهو جزاؤه"-ما أوجب هذه الآية في هذه الحالة!