ثم اعلم أن استعظام الصدقة مشروع. قال تعالى: فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا اَلْبٰائِسَ اَلْفَقِيرَ . و قال وَ أَطْعِمُوا اَلْقٰانِعَ وَ اَلْمُعْتَرَّ -يعنى من البدن التي جعلها-سبحانه! -"من شعائر اللّٰه". -و قال:
وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اَللّٰهِ فَإِنَّهٰا مِنْ تَقْوَى اَلْقُلُوبِ لَكُمْ فِيهٰا مَنٰافِعُ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهٰا إِلَى اَلْبَيْتِ اَلْعَتِيقِ -يعنى البدن. و في هذه القصة (-في هذا السياق) قال: وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ . -و قد ذكرنا في شرح "النفق"، الذي"الإنفاق"منه، كونه له وجهان. فكذلك هنا: فنالنا منها لحومها، و"نال الحق"منها"التقوى منا"فيها. و من تقوانا تعظيمها. فقد يكون استعظام الصدقة من هذا الباب، عند بعض العارفين، فلهذا يستعظم ما يعطى إن كان معطيا، أو ما يأخذ إن كان آخذا. و قد يكون مشهده ذوقا آخر.
(أول مشهد ذاقه ابن عربى في الطريق الصوفي)
و هو (أي تعظيم خلق اللّٰه) أول مشهد ذقناه من هذا الباب، في هذا الطريق. و هو أنى حملت يوما في يدي شيئا محقرا، مستقذرا في العادة عند العامة. لم يكن أمثالنا يحمل مثل ذلك، من أجل ما في النفوس من رعونة الطبع، و محبة التميز على من لا يلحظ بعين التعظيم. فرأيت الشيخ و معه أصحابه مقبلا. فقال له أصحابه: "يا سيدنا! هذا فلان قد أقبل، و ما قصر في الطريق، لقد جاهد نفسه. تراه يحمل في وسط السوق حيث يراه الناس كذا"-و ذكروا له ما كان بيدي. -فقال الشيخ: "فلعله ما حمله مجاهدة لنفسه. "قالوا له: "فما ثم إلا هذا. "قال:
"فاسألوه إذا اجتمع بنا. "- فلما وصلت إليهم سلمت على الشيخ. فقال لي، بعد رد السلام: "باى خاطر حملت هذا في يدك، و هو أمر محقر مستقذر، و أهل منصبك، من أرباب الدنيا، لا يحملون مثل هذا في أيديهم لحقارته
و استقذاره؟ "-فقلت له: "يا سيدنا، حاشاك من هذا النظر! ما هو نظر مثلك. إن اللّٰه تعالى ما استقذره و لا حقره لما علق القدرة بإيجاده، كما علقها بايجاد العرش، و ما تعظمونه من المخلوقات. فكيف بى-و أنا عبد حقير ضعيف-أستحقر و أستقذر ما هو بهذه المثابة؟ "فقبلني، و دعا لي. و قال لأصحابه: "أين هذا الخاطر من حمل المجاهد نفسه؟ "