ثم لتعلم أن"العلم بالأمر"لا يتضمن شهوده، فدل أن نسبة رؤيتك الأشياء، غير نسبة علمك بها. فالنسبة العلمية تتعلق بالشهادة و الغيب. فكل مشهود معلوم ما شهد منه. و ما كل معلوم مشهود. و ما ورد في الشرع قط أن اللّٰه"يشهد الغيوب". و إنما ورد: "يعلم الغيوب".
و لهذا وصف نفسه (-سبحانه! -) بالرؤية، فقال: أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اَللّٰهَ يَرىٰ ؟ و وصف نفسه بالبصر و بالعلم. ففرق بين النسب، و ميز بعضها عن بعض: ليعلم ما بينها (من فروق و نسب) و لما لم يتصور أن يكون في حق اللّٰه غيب، علمنا أن"الغيب" أمر إضافى لما غاب عنا. فكأنه يقول من يقول: "و أنت علام الغيوب"- أي ما غاب عنا و كذلك"عالم الغيب و الشهادة"-أي ما غاب عنا و ما نشهده، و يشهده. و ما يلزم من شهود الشيء العلم بحده و حقيقته، و يلزم من العلم بالشيء العلم بحده و حقيقته، عدما كان أو وجودا. و إلا فما علمته.
و الأشياء كلها، مشهودة للحق في حال عدمها، و لو لم تكن كذلك، لما خصص (الحق) بعضها بالإيجاد عن بعض. إذ العدم المحض، الذي ليس فيه أعيان ثابتة، لا يقع فيه تمييز شهود. بخلاف عدم الممكنات. -
فكون العلم ميز الأشياء، بعضها عن بعض، و فضل بعضها عن بعض، - (فهذا) هو المعبر عنه: بشهوده (-تعالى! -) إياها، و تعيينه لها.
أي هي، بعينه (-سبحانه! -) يراها. و إن كانت (الممكنات) موصوفة بالعدم، فما هي معدومة لله الحق، من حيث علمه بها.
كما أن تصور الإنسان، المخترع للأشياء، صورة ما يريد اختراعها في نفسه، ثم يبرزها، فيظهر عينها لها. فاتصفت بالوجود العيني. و كانت، في حال عدمها، موصوفة بالوجود: في الوجود الذهني في حقنا، و الوجود العلمي في حق اللّٰه. -فظهور الأشياء (إنما هو في الحقيقة) من وجود إلى وجود: من وجود علم إلى وجود عين. و المحال، و الذي هو العدم المحض، ما فيه أعيان تتميز.