فالعارف إذا استخار ربه، في حاجة معينة كانت أو مبهمة، فيحضر (ذلك) في قلبه، عند قوله: "اللهم! "-أي يا اللّٰه اقصد! فادخل هنا (المستخير) الإرادة. لأن القصد (هو) الإرادة. فحذف "الهمزة"، و اكتفى ب"الهاء"من"اللهم"-لقربها في المخرج و المجاورة، و ليدلك، بذلك، على عظيم الوصلة. فان شرح"اللهم"-أي يا الله أمنا بالخير! أي اقصدنا! و قوله: "إنى"-"إنية"الشيء حقيقته، كناية عن نفسه. -و قوله: "أستخيرك بعلمك"-يقول: يا الله! اقصد حقيقتى و ذاتى بما اختاره علمك لي، مما لي فيه خير. -"فإنك تعلم" ما يصلح لي من الخير، "و لا أعلم"في هذا الذي توجهت في طلبه. - "و تقدر"على إيجاده، "و لا أقدر"على ذلك. -فان كان لي في فعله، و ظهور عينه، "خير"فقد علمته، "فاقدره لي"-أي افعله لي، و إن كان لي الخير في تركه، و عدم ظهور عينه، "فاصرفني"- لكونى استحضرته في خاطرى، و تخيلته. فقد حصل له ضرب
من الوجود: و هو تصوره في خاطرى. فلا تجعله حاكما على بظهور عينه. - فهذا معنى قوله: "فاصرفه عنى"! . - ثم قال: "و اصرفني عنه"-أي حل بينى و بينه، و اجعل بينى و بينه الحجاب الذي بين الوجود و العدم، حتى لا أستحضره، و لا يحضرني عينا و تخيلا. -و قوله: "و أستقدرك بقدرتك"- لأن"القدرة"صفة الإيجاد، و هي أخص تعلقا من"العلم". فيصرف (الأمر) بالعلم، و يوجد بالقدرة، و لا يصرف بها. -فقدم (المستخير) "العلم"على"القدرة": لأنه قد يكون له الخيرة في ترك ما طلب فعله و وجوده.
فكأنه يقول: و إن كان في تحصيل ما طلبت تحصيله خير لي، فانى أستقدرك بقدرتك. أي أقدرنى على تحصيله. -و إن كان (المستخير) ممن يقول: بنسبة الفعل للعبد-كالمعتزلى-فتكون الإضافة في قوله:
"بقدرتك"-أي بالقدرة التي تخلقها في عبادك. و إن كان ممن لا يقول بنسبة الفعل إلى العبد، فقوله: "بقدرتك"، يعنى قدرة الحق التي هي صفته المنسوبة إليه بحكم الصفة، لا بحكم الخلق.
و قوله: "فإنك تقدر و لا أقدر"-يتجه هذا القول من الطائفتين. أي فإنك تقدر أن تخلق لي القدرة على فعله، إن كان قد علمت أن لي فيه خيرا. -و قد يريد الاخبار عن حقيقة نفى القدرة عن العبد. فيقول: فإنك تقدر على إيجاده، و تحصيل ما طلبته، "و لا أقدر"-أي ما لي قدرة أحصله بها، لعلمه أن القدرة الحادثة ما لها التكوين، و لا تتعدى محلها.
و قوله: "و أرضنى به"-أي اجعل الفرح و السرور عندي بحصوله أو بعدم حصوله، من أجل ما اخترته لي في سابق علمك. - "و أقدر لي الخير حيث كان"-و أنت أعلم بالأماكن و الزمان و الأحوال، التي لي الخير فيها من غيرها. -"فإنك أنت علام الغيوب"-أي ما غاب عنا من ذلك، تعلمه أنت و لا أعلمه أنا.