فصاحب مرض النفس، المؤمن، يناجي ربه، من حيث إيمانه، في عين همومه. فيكون شغله: منه، فيه، به. فلا يبرح في همه و إيمانه بالله. يقول له: همك هو اللّٰه، و نظرك فيه إنما هو بالله. فان اللّٰه هو الوجود و الموجود، و هو المعبود في كل معبود و في كل شيء. و هو وجود كل شيء، و هو المقصود من كل شيء، و هو المترجم عنه كل شيء، و هو الظاهر عند ظهور كل شيء، و هو الباطن عند فقد كل شيء، و هو الأول من كل شيء، و هو الآخر من كل شيء. -فلا تفوت المؤمن عبادة اللّٰه في كل وجه، و على كل حال. فان الأمراض النفسية لا تقدح في الايمان.
(الأمراض العقلية تقدح في الايمان)
و أما الأمراض العقلية فهي القادحة في الايمان. و الايمان له تعلقان: تعلق بوجود الحق، و تعلق بتوحيد الحق. و أما الايمان باحدية الحق من حيث ذاته، فذلك من مدارك النظر العقلي عند أهل النظر، و عندنا من وجه أفكارنا. و أما من جهة الذكر و الكشف فلا. و كذلك توحيد الحق يدرك بالايمان، و يدرك بالنظر. و لم تتعرض شريعة لأحدية الذات بطريق التنصيص عليها، و إن كانت ترد مجملة، و لهذا لا تدخل في سلك الايمان.
فان كان المرض العقلي قد حال بينك و بين صحة الايمان بوجود الحق، فقد حال بينك و بين العلم الضروري. فان العلم بوجود الصانع، عند ظهور الصنعة للناظر، ضرورى، و إن لم يعلم (الناظر) حقيقة الصانع، و لا ماهيته، و لا ما يجب أن يكون عليه. و يجوز، و يستحيل، -إلا بعد نظر فكرى و إخبار إلهى نبوى. فهذا مرض لا طب فيه.
(فقدان العلم الضروري)
و من فقد العلم الضروري كان بمنزلة المريض الذي قد استفرغ المرض نفسه، بحيث لا يعلم أنه مريض، و لا ما هو فيه. فيرتفع عنه خطاب الشرع، لأنه لا عقل له. -و أما إذا كان معه الايمان، أو العلم الضروري بوجود الحق الخالق، نفى المرض المزيل لصحة التوحيد بان يقلد فيكون مؤمنا، أو ينظر أو يستدل فيكون عالما. -فان حصل (الايمان بوجود الحق، عن نظر و استدلال) ، فمرضه أن لا يقبل من الشارع ما جاءه من صفات الحق القادحة في أحدية الذات مع صحة توحيد الإله عقلا و شرعا-، صلى (عند ذلك) ، و أقام عبادته مع هذا المرض. فإنه نافعه. إذ عقله فيه من المرض، بحيث لا يستطيع إلا هذا القدر الذي ذكرناه من توحيد اللّٰه تعالى.