لا ترى الشهداء في سبيل اللّٰه: لما تقربوا بأنفسهم إلى اللّٰه.
في قتال أعداء اللّٰه، كانت لهم الحياة الدائمة، و الرزق الدائم، و الفرح بما أعطاهم اللّٰه؟ فلا يقال في الشهداء: أموات، لنهى اللّٰه عن ذلك. لأن اللّٰه أخذ بابصار الخلق عن إدراك حياتهم، كما أخذ بأبصارهم عن إدراك الملائكة و الجن، مع معرفتنا أنهم معنا حضور. و لا نعتقد، أيضا، في الشهداء أنهم أموات، بقوله (-تعالى-) : وَ لاٰ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ -. و خبر اللّٰه صدق. فثبتت لهم الحياة لما قصدوا القربة إلى اللّٰه بنفوسهم.
حكى عن بعض شباب الصالحين أنه كان بمنى يوم النحر، و كان فقيرا متجردا، لا يقدر على شيء من الدنيا. فنظر إلى الناس يتقربون إلى اللّٰه بنحر بدنهم، و بالبقر، و الغنم، و ما قدروا عليه من الحيوان.
فقال الشاب: "إلهى! إن الناس قد تقربوا إليك، في هذا اليوم، بما وصلت أيديهم إليه، مما أنعمت به عليهم، و ما لعبدك المسكين شيء يتقرب به إليك، في هذا اليوم، سوى نفسه: فاقبلها! "فما فرغ من كلامه حتى فارق الدنيا. فقبضه اللّٰه قبض الشهداء في سبيل اللّٰه. -و لنا بيت من قصيدة، في هذا المعنى:
و أهدى عن القربان نفسا معيبة و هل ريئ خلق بالعيوب تقربا؟