و إنما أمر العبد بالمسارعة إلى الخيرات، لتصرفه في المباحات لا غير. فمن كانت حالته أن لا يتصرف في مباح، فهو في خير على كل حال. و لذلك ورد ما يدل على الحالتين معا، فقيل: سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ -و هي العبادة هنا، من سارع إليها فقد سارع إلى المغفرة.
و قال في الحالة الأخرى: أُولٰئِكَ يُسٰارِعُونَ فِي اَلْخَيْرٰاتِ -فجعل المسارعة "فيها"، و في (الحالة) الأولى: "إليها"، -فإنها (أي المسارعة في الخيرات) ما هي نائية عنه.
و هنا وجه أيضا: و ذلك أن"المغفرة"لا تصح (في حقنا) إلا بعد حصول"فعل الخير"الموجب لها. فنحن نسارع"في الخيرات" "إلى المغفرة". فكان المسارع فيه غير المسارع إليه.
فالعبد إذا كان تصرفه في غير المباح، فلا بد أن يكون
في مندوب أو واجب. فان كان في مندوب، و استشعر بحصول وقت واجب، سارع إليه في مندوبه باقامة أسبابه التي لا يصح ذلك الواجب إلا بها. و معنى المسارعة، هما، المبادرة إلى الأفعال التي هي شرط في صحة ذلك الواجب.