و إن نظر (العبد المربوب) إلى زوالها بعين المفارقة، لطلب الغروب عنه و انسدال الحجاب دونه، عبده ذلة و فقرا و انكسارا، و طلبا للمشاهدة.
فلا يزال (العبد) يرقبها إلى الغروب، و من الغروب يرقب آثارها بصلاة المغرب و التنفل بعدها إلى مغيب الشفق، فيغيب أثرها. فيبقى في ظلمة الليل سائلا، باكيا، متضرعا. يراعى نجوم الليل لاستنارتها بنور الشمس. يسأل و يتضرع إلى طلوع الفجر. فيرى (العبد) آثار المجيء، و قبول دعائه. فيعبده شكرا على ذلك، و هو يشاهد آثار القبول. فيؤدى فرض الصبح، و لا يزال مراقبا بالذكر إلى أن تنجلي (الشمس) طالعة.
فإذا ابيضت (الغزالة) ، و زال عنها التغيير الذي يحول بين البصر و بين بياضها، من حجب أبخرة الأرض-و هي الأنفاس الطبيعية-، قام (العبد) إجلالا على قدم الشكر إلى حد الاستواء. فلا يزال في عبادة الفرح و الشكر إلى أن تزول (الغزالة) ، فيرجع إلى عبادة الصبر و الافتقار و توقع المفارقة، ما دام حيا. فهو (أبدا) بين عبادتين. و ذلك أنه لما سمع الرسول-ص! -يقول: "ترون ربكم كما ترون الشمس"- فاعتبر ذلك في عبادته، في صلواته المفروضة و التطوع، شكرا و فقرا: بين نعمة و بلاء، و شدة و رخاء.
فان المؤمن من استوى خوفه و رجاؤه. "فهو يدعو ربه خوفا"
من حد الزوال إلى الغروب الشفقى، -"و طمعا"بقية ليلته: إلى طلوع الفجر، إلى طلوع الشمس، إلى حد الاستواء. "طمعا"أن لا يكون حجاب بعد ذلك! هكذا هي"عبادات العارفين". -فافهم!