مثال ذلك: رجل ضرب أباه بعصا، أو بما كان. فقال أهل القياس: لا نص عندنا في هذه المسالة. و لكن لما قال تعالى: فَلاٰ تَقُلْ لَهُمٰا: أُفٍّ وَ لاٰ تَنْهَرْهُمٰا ، قلنا: فإذا ورد النهى عن التأفيف-و هو قليل- فالضرب بالعصا أشد، فكان تنبيها من الشارع بالأدنى على الأعلى، فلا بد من القياس عليه. فان التأفيف و الضرب بالعصا يجمعهما الأذى، فقسنا الضرب بالعصا، المسكوت عنه، على التأفيف المنطوق به.
قلنا، نحن: ليس لنا التحكم على الشارع في شيء مما يجوز أن نكلف به، و لا التحكم (بغير نص الشارع) . و لا سيما في مثل هذا. لو لم يرد في نطق الشرع غير هذا لم يلزمنا القياس، و لا قلنا به، و لا ألحقناه ب"التأفيف". و إنما حكمنا مما ورد، و هو قوله-تعالى! -: وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً -فأجمل الخطاب. فاستخرجنا من هذا المجمل الحكم في كل ما ليس بإحسان. و الضرب بالعصا ما هو من الإحسان المأمور به من الشرع في معاملتنا لآبائنا. فما حكمنا إلا بالنص. و ما احتجنا إلى قياس.
(الدين قد كمل: فلا يجوز الزيادة فيه بقياس، كما لم يجز النقص منه بتعطيل)
فان الدين قد كمل، و لا تجوز الزيادة فيه، كما لم يجز النقص منه. فمن ضرب أباه بالعصا فما أحسن إليه. و من لم يحسن لأبيه فقد عصى ما أمره اللّٰه به أن يعامل به أبويه. و من رد كلام أبويه، و فعل ما لا يرضى أبويه، مما هو مباح له تركه، فقد عقهما. و قد ثبت أن عقوق الوالدين من الكبائر.
فلهذا قلنا: إن الطهارة بالتراب-و هو التيمم-ليس بدلا. بل هي مشروعة، كما شرع الماء. و لها وصف خاص في العمل. فإنه بين أنا لا نعمل به إلا في
الوجود و الأيدى. و الوضوء و الغسل ليسا كذلك. و ينبغي للبدل أن يحل محل المبدل منه. و هذا ما حل محل المبدل منه في الفعل. - وَ اَللّٰهُ يَقُولُ اَلْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي اَلسَّبِيلَ .