بالله يشاهدون هذا العبور. و غير العلماء بالله يتخيلون أنهم مقيمون. و الوجود على خلاف ذلك. فان الإله، الموجد في كل نفس، موجد يفعل: فلا يعطل نفسا واحدا تتصف (أنت) منه بالاقامة، كما قال: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ . و قال تعالى سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ اَلثَّقَلاٰنِ . و قال:
"بيده الميزان يخفض و يرفع".
(المتخلق مهما فنى عن التخلق فليس بمتخلق)
و من قال بالمنع من ذلك، غلب عليه رؤية نفسه أنه ليس بمحل طاهر، حيث لم يتخلق بالأسماء الإلهية. و لو تخلق بها، و لم يفن عن تخلقه عنده، فما تخلق بها. و عندنا: أن المتخلق بالأسماء، مهما فنى عن تخلقه بها، فليس بمتخلق. فان المعنى بكونه متخلقا بها، أي تقوم به، كما يقوم الخلوق بالمتخلق به. و قد يخلقه غيره، فيكون، عند ذلك، مخلقا بالأخلاق الإلهية. و ذلك أن العبد مامور. و الحق لا يأمر نفسه. فالتخلق امتثال أمر اللّٰه بقوة اللّٰه و عونه.
(من الأدب أن يرى المتخلق كونه متخلقا مكلفا)
فمن الأدب أن يرى المتخلق كونه متخلقا مكلفا، و إن كان "الحق سمعه و بصره". أ ليس الحق قد أثبت عين عبده بالضمير في"سمعه و بصره"؟ فأين يذهب هذا العبد و العين موجودة؟ و غايته أن يكون صورة، في هيولى الوجود المطلق، مقيدة. و ليس له، بعد هذا، مرتبة إلا العدم. و العدم لا يقبل الصورة. -فافهم! انتهى الجزء الثاني و الثلاثون يتلوه الجزء الثالث و الثلاثون.