العقل، و أن اللّٰه قد أعطاه من العلم به، و القدرة عليه، ما لم يعطه إياهم.
فقالوا بفضله و تقدمه عليهم، و آمنوا به، و صدقوه، و اتبعوه. فعين لهم الأفعال المقربة إلى اللّٰه تعالى، و أعلمهم بما خلق اللّٰه من الممكنات فيما غاب عنهم، و ما يكون منه-سبحانه-فيهم في المستقبل، و جاءهم بالبعث، و النشور، و الحشر، و الجنة، و النار.
(أصل وضع الشريعة الإلهية في العالم)
ثم إنه تتابعت الرسل على اختلاف الأزمان، و اختلاف الأحوال. و كل واحد منهم يصدق صاحبه، ما اختلفوا، قط، في الأصول التي استندوا إليها و عبروا عنها، و إن اختلفت الأحكام. فتنزلت الشرائع، و نزلت الأحكام. و كان الحكم بحسب الزمان و الحال، كما قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهٰاجاً . فاتفقت أصولهم من غير خلاف، في شيء، من ذلك. - و فرقوا في هذه السياسات النبوية، المشروعة من عند اللّٰه، بينها و بين ما وضعت الحكماء من السياسات الحكمية التي اقتضاها نظرهم.
و علموا أن الأمر أتم، و أنه من عند اللّٰه بلا شك. فقبلوا ما أعلمهم به من الغيوب، و آمنوا بالرسل. و ما عاند أحد منهم إلا من لم ينصح نفسه في علمه، "و اتبع هواه"، و طلب الرئاسة على أبناء جنسه، و جهل نفسه و قدره، و جهل ربه.
فكان أصل وضع الشريعة في العالم و سببها طلب صلاح العالم، و معرفة ما جهل من اللّٰه مما لا يقبله العقل من حيث فكره، أي لا يستقبل به العقل من حيث نظره. فنزلت بهذه المعرفة الكتب المنزلة، و نطقت بها ألسنة الرسل و الأنبياء-ع-. فعلمت العقلاء، عند ذلك، أنها نقصها من العلم بالله أمور تممتها لهم الرسل.