شيئا، و لا يشبهه شيء. فوقفوا عنده. و قالوا: هذا هو الأول، و ينبغي أن يكون واحدا لذاته من حيث ذاته، و أن أوليته لا تقبل الثاني، و لا أحديته، لأنه لا شبه له، و لا مناسب. فوحدوه توحيد وجود. ثم لما رأوا أن الممكنات، لأنفسها، لا تترجح لذاتها، علموا أن هذا الواحد أفادها الوجود، فافتقرت إليه و عظمته: بان سلبت عنه جميع ما تصف ذواتها به. : فهذا حد العقل (من حيث ما هو مفكر. لا من حيث ما هو قابل) .
(السياسة الشرعية و النواميس الإلهية)
فبينا هم كذلك، إذ قام شخص من جنسهم، لم يكن عندهم من المكانة في العلم، بحيث أن يعتقدوا فيه أنه دو فكر صحيح و نظر صائب فقال لهم: "أنا رسول اللّٰه إليكم! "-فقالوا: "الانصاف أولى. انظروا في نفس دعواه: هل ادعى ما هو ممكن، أو ادعى ما هو محال؟ "-فقالوا:
"إنه قد ثبت عندنا بالدليل أن لله فيضا إلهيا يجوز أن يمنحه من يشاء، كما أفاض ذلك على أرواح هذه الأفلاك و هذه العقول، و الكل قد اشتركو
في الإمكان، و ليس بعض الممكنات باولى من بعض فيما هو ممكن. فما بقي لنا نظر إلا في صدق هذا المدعى، أو كذبه. و لا نقدم على شيء من هذين الحكمين بغير دليل، فإنه سوء أدب مع علمنا. " فقالوا (لهذا الرسول) : "هل لك دليل على صدق ما تدعيه؟ " فجاءهم بالدلائل. فنظروا في دلالته و في أدلته. و نظروا أن هذا الشخص ما عنده خبر مما تنتجه الأفكار، و لا عرف منه. فعلموا أن الذي"أوحى في كل سماء أمرها"، كان مما أوحى في كل سماء وجود هذا الشخص، و ما جاء به. فأسرعوا إليه بالايمان به، و صدقوه، و علموا أن اللّٰه قد أطلعه على ما أودعه في العالم العلوي، من المعارف، ما لم تصل إليه أفكارهم، ثم أعطاه من المعرفة بالله ما لم يكن عندهم.
و رأوا نزوله في المعارف بالله، إلى العامي الضعيف الرأى بما يصلح لعقله من ذلك، و إلى الكبير العقل، الصحيح النظر، بما يصلح لعقله من ذلك. فعلموا أن الرجل عنده من الفيض الإلهي ما هو وراء طور