كل ذلك تنقله الحواس إلى النفس الناطقة، فتلتذ به من جهة طبيعتها. و لو لم يلتذ به إلا الروح الحساس الحيواني، لا النفس الناطقة، لكان الحيوان يلتذ بالوجه الجميل من المرأة المستحسنة، و الغلام الحسن الوجه، و الألوان، و المصاغ. فلما لم نر شيئا من الحيوان يلتذ بشيء من ذلك، علمنا قطعا أن النفس الناطقة هي التي تلتذ بجميع ما تعطيه القوة الحسية، مما تشاركها في إدراكه الحيوانات، و مما لا تشاركها فيه.
(الجنة المحسوسة خلقت بطالع الأسد، و الجنة المعنوية من الفرح الإلهي)
و أعلم أن اللّٰه خلق هذه الجنة المحسوسة بطالع الأسد الذي هو الاقليد، و برجه هو الأسد. و خلق الجنة المعنوية، التي هي روح هذه الجنة المحسوسة، من الفرح الإلهي، من صفة الكمال و الابتهاج و السرور. فكانت الجنة المحسوسة كالجسم، و الجنة المعقولة كالروح و قواه.
و لهذا سماها الحق-تعالى-"الدار الحيوان"-لحياتها (أبدا) . فأهلها يتنعمون فيها حسا و معنى بالمعنى، الذي هو اللطيفة الانسانية.
و الجنة أيضا، أشد تنعما باهلها الداخلين فيها، و لهذ
تطلب ملأها من الساكنين. -و قد ورد خبر عن النبي-ص-: