اعلم أنه إنما سمى هذا اليوم يوم القيامة، لقيام الناس فيه، من قبورهم، لرب العالمين، في النشاة الآخرة، التي ذكرناها في"البرزخ"، الذي قبل هذا الباب، و لقيامهم، أيضا، إذا جاء الحق للفصل و القضاء، "و الملك صفا صفا". قال اللّٰه-تعالى-: يَوْمَ يَقُومُ اَلنّٰاسُ لِرَبِّ اَلْعٰالَمِينَ -أي من أجل رب العالمين، حين يأتي. و جاء بالاسم"الرب"، إذ كان"الرب"(هو) المالك، فله صفة القهر، وله صفة الرحمة. و لم يأت
بالاسم"الرحمن"لأنه لا بد من الغضب في ذلك اليوم-كما سيرد في هذا الباب، و لا بد من الحساب، و الإتيان بجهنم، و الموازين. و هذه، كلها، ليست من صفات الرحمة المطلقة، التي يطلبها الاسم"الرحمن". غير أنه -سبحانه! -أتى باسم إلهى تكون الرحمة فيه أغلب، و هو الاسم"الرب"، فإنه من الإصلاح و التربية. فيتقوى ما في المالك و السيد من فضل الرحمة، على ما فيه من صفة القهر: "فتسبق رحمته غضبه"، و يكثر التجاوز عن سيئات أكثر الناس.
(ظواهر القيامة و مشاهدها)
فأول ما أبين و أقول، ما قال الرب في ذلك اليوم: من امتداد الأرض، و قبض السماء-و سقوطها على الأرض، و مجيء الملائكة، و مجيء الرب في ذلك اليوم، و أين يكون الخلق حين تمد الأرض، و تبدل صورتها، و تجيء جهنم، و ما يكون من شاتها؟ -ثم أسوق حديث مواقف القيامة في "خمسين ألف سنة"، و حديث الشفاعة.
اعلم-يا أخى! -أن الناس إذا قاموا من قبورهم، على ما سنورده إن شاء اللّٰه. و أراد اللّٰه أن"يبدل الأرض غير الأرض"، و تمد الأرض بإذن اللّٰه. و يكون الجسر دون"الظلمة". -فيكون الخلق عليه عند ما يبدل اللّٰه الأرض كيف يشاء، إما بالصورة، و إما بأرض أخرى ما نيم عليها، تسمى"الساهرة"، فيمدها-سبحانه-مد الأديم يقول تعالى:
وَ إِذَا اَلْأَرْضُ مُدَّتْ ، و يزيد في سعتها ما شاء، أضعاف ما كانت: من إحدى و عشرين جزءا، إلى تسعة و تسعين جزءا، حتى"لا ترى فيها عوجا و لا أمتا".