و لما كان البرزخ أمرا فاصلا بين معلوم و غير معلوم، و بين معدوم و موجود، و بين منفى و مثبت، و بين معقول و غير معقول-سمى برزخا اصطلاحا. و هو معقول في نفسه. و ليس (ذاك) إلا الخيال. فإنك إذا أدركته-و كنت عاقلا-تعلم أنك أدركت شيئا وجوديا، وقع بصرك عليه، و تعلم قطعا، بدليل، أنه ثم شيء رأسا و أصلا. فما هو هذا الذي أثبت له شيئية وجودية، و نفيتها عنه، في حال إثباتك إياها.
(الخيال، كالبرزخ: لا موجود و لا معدوم، لا معلوم و لا مجهول)
فالخيال لا موجود و لا معدوم، و لا معلوم و لا مجهول، و لا منفى و لا مثبت. كما يدرك الإنسان صورته في المرآة: يعلم، قطعا، أنه أدرك صورته بوجه، و يعلم، قطعا، أنه ما أدرك صورته بوجه. لما يرى فيه
من الدقة إذا كان جرم المرآة صغيرا، و يعلم أن صورته أكبر من التي رأى بما لا يتقارب. و إذا كان جرم المرآة كبيرا، فيرى صورته في غاية الكبر، و يقطع أن صورته أصغر مما رأى. و لا يقدر أن ينكر أنه رأى صورته.
و يعلم أنه ليس في المرآة صورته، و لا هي بينه و بين المرآة، و لا هو انعكاس شعاع البصر إلى الصورة المرئية فيها من خارج، سواء (أ) كانت صورته أو غيرها. إذ لو كان كذلك لأدرك الصورة على قدرها، و ما هي عليه.
و في رؤيتها في السيف، من الطول أو العرض، يتبين لك ما ذكرنا. مع علمه أنه رأى صورته بلا شك. فليس بصادق و لا كاذب في قوله: