الفتوحات المكية

المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف

للأمير عبد القادر الحسني الجزائري

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


72. الموقف الثاني والسبعون

قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ﴾[فصلت: 41/ 54]. وقال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[البقرة: 2/ 29]. [النحل: 16/28]. [الحديد: 57/3]، [البقرة: 2/231]، [البقرة: 2/282]، [النساء: 4/176]. [النور: 24/ 64]، [الحجرات: 49: 16]، [التغابن: 64/11]، [المائدة: 5/97]، [الأنفال: 8/75]، [التوبة: 9/115]، [العنكبوت: 29/62]، [المجادلة: 58/7]، [الشورى: 42/ 12].

اعلم: أن الإحاطة تقتضي تحديد المحاط به من جميع وجوهه وجهاته، والعلم هو إدراك المعلوم على ماهو عليه، فلذا نقول : الحق تعالى يعلم ذاته ولا يحيط به، لأن ذاته تعالى غير متناهية، فلو قلنا، أنه يحيط بها، لانقلب العلم جهلا، تعالى الحق عن ذلك، لأنه حينئذٍ تعلّق بها، على خلاف ماهو عليه من عدم التناهي. ول نقص في قولنا: «يعلم ذاته ولا يحيط بها».بل هو الكمال. فالجهل على الحق تعالى محال، لأن الجهل إدراك الشيء على غير ماهو عليه حقيقة ذلك الشيء، وإحاطته بالذات العلية محال، لأن الإحاطة تستلزم التناهي، والتناهي على الحق تعالى محال، ل يقال التناهي وعدم التناهي مشعر بإمكان التبعيض والجزئية، وذات الحق تعالى واحدة من كل وجه وحدة حقيقية ليس في مقابلة كثرة، لأنَّا نقول: المراد بعدم التناهي في حق الذات، الوجود الحق، عدم تناهي ظهوره بالمظاهر، وتعينه بالأسماء والصور، التي هي آثار الأسماء، أو هي الأسماء عينها. والظهور والتعيين ممكن من حيث هو. والممكنات التي هي متعلقات العلم والقدرة لا نهاية لها، بإجماع المتكلمين والحكماء وأهل الله تعالى فلو تناهى ظهور الذات، بظهور الأسماء والصفات، بظهور آثارها في الممكنات، لتناهت الممكنات، المعلومات المقدورات، وهو محال، ولذا يقال: ذات الحق تعالى قابلة للوجوب والإمكان، فالوجوب ثابت للذات الوجود الحق، من حيث هو، والإمكان من حيث الظهور، والتعين بالممكنات. وما ذكرناه من عدم إحاطة العلم بالذات، الوجود الحق، المراد به العلم الذي هو شأن من شؤون الذات، ونسبة من نسبها، وصورته ومظهره العقل الأول، وهو الذي يعبر عنه القوم (رضي الله عنه) بظاهر العلم، وهو المكنى عنه بقاب قوسين، وهو غاية معراج الرسل غير محمد (صلى الله عليه وسلم)، فإن غاية معراجه "أو أدنى «فا» وبمعنى «الواو»" لأن تعلق هذ العلم، بما تعلق به، هو عين وجود المعلوم في الخارج، فلا يتعلق بما لا يتناهى، لأن كل موجود متناه، وأما العلم الذاتي الذي هو عين الذات من كل وجه، فهو محيط بالذات، لأنه عينها، مع عدم تناهيها، بل لا يقال في الشيء: أنه محيط بنفسه ولا غير محيط. قيل لي ليلة بالمسجد الحرام: الحق تعالى ما عرف إلاَّ لكونه عين الضّدين، قلت: نعم، هو كذلك. فقيل لي: وكذا هو محيط بذاته مع عدم تناهيها، على ما يليق به. وم عرف الله إلاَّ الله. وهذه المسألة كثر الخوض فيها، وحارت فيها أهل العقول وأهل الكشف، وبما ذكرنا يحصل الجمع بين قول إمام الحرمين: بالاسترسال الذي أنكره عليه أهل زمانه كافة، وبين قول الفخر الرازي بحدوث التعلقات، لو كان المتكلمون يقولون بالعلم الذي هو عين الذات من كل وجه وهو غيب، وبالعلم الذي هو ظاهر هذا الغيب وهو عين الموجودات الخارجية، وبه تعينت وفيه ومنه.


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!