المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف
للأمير عبد القادر الحسني الجزائري
![]() |
![]() |
71. الموقف الواحد والسبعون
قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 2/ 190].
ورد الوارد بهذه الآية، بعد التي قبلها، فعلمت أن الأمر بجهاد النفس وقتالها هو على وجه مخصوص، وحدّ محدود، ووقت معيّن، وهو أن لا يكون إلاَّ في سبيل الله، أي لأجل معرفة الله وإدخال النفس تحت الأوامر الإلهية، والاطمئنان والإذعان لأحكام الربوبيّة، لا لشيء آخر من غير سبيل الله، كمن يجاهد نفسه بالرياضات الشاقّة لأجل طلب جاهٍ عند الملوك، أو لصرف وجوه العامة إليه، أو حصول غنىً، أو نحو ذلك من الحظوظ النفسية، وقوله: ﴿ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾.
أي: قاتلوا النفوس التي ما اطمأنت ولا أذعنت، ولا سكنت تحت الأوامر الإلهية، مادامت على حالتها من عدم الإذعان وإظهار العصيان. فإذا تركت العصيان وألقت السلاح، وصارت تبادر لامتثال الأمر والنهي، فاتركوها، ولا يجوز حينئذٍ جهادها. كالكافر الحربي إذا أذعن لأداء الجزية، يحرم قتاله بعد ذلك. كما قال تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾[التوبة: 9/ 29].
وقال تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾[التوبة: 9/5].
ولهذا ترى العارفين رضوان الله عليهم لما اطمأنت نفوسهم، وسكنت تحت الأمر والنهي، وأذعنت لأداء ما عليها من حق الحق والخلق، تركوها من غير جهاد، ووضعو عنها إصرها والأغلال التي كانوا يحمّلونها إياها، في وقت جهادهم وبدايتهم، حتى قال سيد الطائفة الجنيد: «من رآني في بدايتي قال صدِّيق، ومن رآني في نهايتي قال زنديق».
وصاروا أول خير وإحسان يفعلونه مع أنفسهم، فإنها أقرب إليهم، والأقربون أولى بالمعروف، ثم يتعدَّون بالإحسان إلى الأقرب فالأقرب: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول، كما هي سيرة كمّل البشر، وهم الرسل والأنبياء (عليه السلام).
وقوله: «ولا تعتدوا»، نهى عن قتال النفس على غير الحدّ المشروع، وعن التجاوز والتفاني في ذلك، كمن يجاهد نفسه بالرهبانيّة، وبأمور نهى الشارع عنها. وفي الخبر:
«لا رهبانية في الإسلام» ، و((فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)).
وما يفعل بعض المشايخ الجهال بالطريقة والشريعة، يأمرون المريد بالصيام، فإذا كان قرب الغروب أمروه بالفطر حتى لا يكون له حظٌّ في الأكل ولا في الأجر. ففي اتباع السنّة قولاً وعملاً وحالاً أعظم جهاد للنفس، فلا أشق على النفس وأتعب لها من امتثال الأوامر ظاهراً وباطناً، واجتناب النواهي كذلك، ومخالفتها عند طلب الشهوات غير الضرورية.
![]() |
![]() |





