المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف
للأمير عبد القادر الحسني الجزائري
![]() |
![]() |
44. الموقف الرابع والأربعون
روى مسلم في صحيحه: «أنه (صلى الله عليه وسلم) مرَّ بقوم يؤبرون النخل فقال لهم: ((لَوْ لَمْ تفعلوا لصلحت))». الحديث.
فليس المراد من هذا: أنه (عليه السلام) يريد منهم ترك الأسباب العادية التي أجرى الحق تعالى عادته بها في مخلوقاته، إذ الرسل (عليه السلام) والعارفون إنما يأمرون برفع حكم الأسباب لا برفع عينها. بل يأمرون بإثبات عينها من حيث أن الأسباب وضعها وأثبتها الحكيم العليم، بما يجريه ويثبته سبحانه ـ. فمن طلب رفع العوايد الجارية والأسباب العادية فقد أساء الأدب وجهل. وكيف يدّعي المعرفة بالله والوصلة به والصحبة له من يطلب رفع العوايد ومعروفه وصاحبه الحق تعالى هو الذي وضعها؟!. ومن شرط الصحبة الموافقة. فمن طلب رفع ذلك فهو منازع وليس بمواصل ولا صاحب. بل هو إلى العناد أقرب. فالذي يثبت العادات والأسباب على وجه لا يناقض التوحيد هو العارف بالله، لأنه يشهد الحق تعالى فيها، إذ كل شيء من الأشياء هو تجل من تجلياته تعالى وإنما المراد أنه (عليه السلام) أراد أن ينبّههم على باطن الحقيقة، ونفس الأمر. وهو أن هذه الأسباب العادية والصورة المشهودة لا تأثير لها في شيء ممّا جرت به العادة أنه يوجد عندها. وإنما الحق تعالى هو الفاعل لذلك، فهو المؤثر بوجهه الخاص الذي له تعالى في كل مخلوق. لأنه تعالى له في كل مخلوق حتى الذرة وجه خاص لا يشاركه غيره فيه، به يكون التأثير. إنما ستر تعالى فعله بصور مخلوقاته رحمة بخلقه، وتقديساً لجنابه. فمراده تعالى بقوله: لو لم تفعلوا لصلحت، أن يكونوا مشاهدين للحق، الفاعل الحقيقي، عند ملابسة الأسباب، معتمدين عليه لا على الأسباب، لا أن مراده (عليه السلام) منهم ترك الأسباب. إذ لابدَّ من الأسباب وجوداً، والغيبة عنها شهوداً.
وقوله (عليه السلام) لما طلعت النخل شيصا: «أنتم أعرف بدنياكم».
كلام خرج منه مخرج الإعراض عنهم، حيث ما فهموا مراده بقوله: «لو لم تفعلوا لصلحت».
وحملوه على ترك التأبير، وليس هو المراد. وإنما المراد أنه تعالى يفعل الأشياء عند الأسباب وعند عدم الأسباب وهو التوحيد الحقيقي. ولا يفهم من قوله: «أنتم أعرف بدنياكم» أنَّه عليه السلام جاهل بأمور الدنيا. حاشاه، ذلك فإنه عليه السلام كغيره من سائر الأنباء عالمون بأمور الدنيا. حاشاه، ذلك فإنه (عليه السلام) كغيره من سائر الأنبياء عالمون بأمور الدنيا والدين، وما أرسلهم تعالى إلاَّ ليعلموا الناس مصالح معاشهم ومعادهم ويرشدوهم إلى ما جهلوه من ذلك فأظهر لهم (عليه السلام) التقرير على عادتهم، حيث فاتهم فهم مراده، وما فهموا إلاَّ ترك السبب جملة واحدة، وليس هو المراد. وقد تكلم إمام العارفين محي الدين، وصاحب الإبريز، على هذا الحديث بغير ما ألقاه تعالى إليَّ. والكلّ صوابق، إن شاء الله، فإنَّ الكل من عند الله.
![]() |
![]() |





