الفتوحات المكية

المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف

للأمير عبد القادر الحسني الجزائري

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


303. الموقف : الثالث بعد الثلاثمائة

ورد في سنن الترمذي عنه (صلى الله عليه وسلم) : ((ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة)).

فاعلم أنه ليس المراد من الحديث ظاهره، وإنما هو من باب الأمر بالشيء نهي عن ضدّه. بمعنى لا تدعو الله بشيء لا تحبّون الإجابة فيه من الله لَوْ أَجَابكم. وذلك كأن يدعو الإنسان على نفسه أو ولده أو ما له، وهو لا يريد الإجابة في ذلك. بل لو أجاب الحقّ دعوته ساءته ذلك وغمّه، وهذا يصدر كثير من سيئ الأخلاق ضيّق العطن، كما قال: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾[يونس: 10/11].

وقد عَلّمنا تعالى فقال: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾[الأعراف: 7/56 ].

بمعنى: ادعوه لخوف مكروه نزل، أو ينزل بكم،  فيدفعه عنكم، أو لنيل مرغوب تطمعون في حصوله لكم، ومع هذا فلابدَّ من التفويض له في الخيرة. فإنَّ الداعي جاهل بمصالحه، ربّم سأل أمراً يظنّه خيراً له، وهو شر في نفس الأمر، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة:2/216].

فكلّ داع غير مفوض فهو مستدرج، ولذا قال سادة القوم رضوان الله عليهم ـ: «الفقير ليست له إلى الله حاجة». يريدون: ليست له حاجة على التعيين، وإنَّم يسأل الخير من حيث يعلمه الله خيراً، ويستعيذ من الشرّ من حيث يع لمه الله شرّاً، فكيف يأمر (صلى الله عليه وسلم) بالتيقن الإجابة، مع هذه العوارض، وهو (صلى الله عليه وسلم) أنصح النصحاء؟! ولا يصحّ حمل الحديث على حسن الظنّ بالله تعالى كما قيل. فإنَّ العبد كما قلنا جاهل بمصالحه فلا يناسبه إلاَّ تفويض الخيرة للعالم ببواطن الأمور وعواقبها. ولا تفويض مع تيقّن الإجابة، لاسيما أهل الله الذين أطلعهم وأعلمهم بسرّ القدر. فعلموا أن الاستعدادات الكلّية هي الطالبة المجابة.

أمّا الاستعداد الجزئي للطلب، إذا ما كان عن استعداد ذاتي لا أثر له في الإجابة فلا يعطيك إلاَّ أنت، وهو استعدادك، ولا يمنعك إلا أنت، وهو عدم قبولك، وليس للحقّ تعالى إلا إعطاء الوجود، لما أنت مستعد له. فهو الجواد الذي لا يبخل، الحكيم الذي لا يجهل، يضع كلّ شيء موضعه اللائق به، ومع هذا كلّه فمشروعيّة الدعاء، وكونه مخّ العبادة، إنما ذلك لإظهار الذلة والفاقة والعبودة التي هي صفات ذاتيّة لكلّ مخلوق، لا لقضاء الحوائج ونيل الرغائب. هيهات: «كيف يكون دعاؤك اللاحق سبباً في القضاء السابق؟!... جلّ حكم الازل أن يضاف إلى الأسباب والعلل». والحمد لله.


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!