المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف
للأمير عبد القادر الحسني الجزائري
![]() |
![]() |
302. الموقف الثاني بعد الثلاثمائة
قال تعالى: ﴿وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾[الأنعام: 6/155].
اعلم أن الكتب الكلية الجامعة خمسة: كتابان إلهيّان، وكتابان كونيان، وكتاب جامع للكتب كلّها، فالكتابان الإلهيان أحدهما تفصيل في إجمال، فإجماله هو المشار إليه بقوله: ﴿طه، مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾[طه: 20/2].
وتفصيله هو المشار إليه بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾[الفرقان: 25/1].
والكتاب الإلهي الثاني سمّاه تعالى كتاباً، وسمّاه ذكراً قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾[النحل: 16/44].
أي من الكتاب الإلهي الأوّل، وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾[النحل: 16/89].
أي شيء أجمل وأبهم في الكتاب الإلهي الأوّل، والمراد بذلك: سنّة محمد (صلى الله عليه وسلم) أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا كانت السنَّةُ قاضية على القرآن، فإنه ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾[النجم: 53/ 3-4].
وإنما خصّ الكتاب الأول باسم إلهي دون الثاني، لأن الأوّل مخصوص بم يأتي به الملك مشهودا، فيلقيه على قلب الرسول أو سمعه. وهذا الثاني أعمّ من أن يكون بواسطة ملك مشهود أو بواسطة ملك غير مشهود، أو بلا واسطة أصلاً، وهو ما يكون للرسول من الوجه الخاص.
أما الكتابان الكونيّان فكذلك أحدهما مفصّل، والآخر مجمل، فأمَّ الكتاب المفصّل فهو المشار إليه بقوله: ﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ، فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ﴾[الطور: 52/2-3].
فهذا الكتاب هو العالم كله. فهو كلمات الله المسطورة في الرقّ المنشور، وهو الوجود المقيّد، وأمَّا الكتاب الثاني المجمل فهو الإنسان الكامل، المشار إليه بقوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾[الأنعام: 6/38].
أخبر أنَّه ما فرّط ولا ترك شيئاً، أي ما يطلق عليه اسم شيء، وهو كلّ ما يصحّ أن يعلم ويخبر عنه، إلاَّ جمعه في الكتاب المجمل المختصر، وهو الإنسان الكامل، بعدما أخبر تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾[الأنعام: 6/38].
وربّما يتوهّم من المُمَاثَلَةِ المساواة من كلّ وجه، فأزال هذا الوهم بأنه جعل الإنسان الكامل كتابًا جامعاً لكّل شيء من الأشياء الإلهيّة والكونيّة، فهو الكلمة الكليّة والحضرة الجامعة.
وأما الكتاب الخامس الجامع للكتب المفصلة والمجملة والمطولة والمختصرة، فهو المشار إليه بقوله: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾[البقرة:2/ 1-2].
فالألف إشارة إلى حضرة الذات الوجود المطلق الجامع لجميع الحضرات، فقوله «ذلك» إشارة إلى الألف، فإنَّ اللام، الذي هو كناية عن حضرة الأسماء، والميم الذي هو كناية عن حضرة الأفعال، كلّها داخلة تحت الألف. فهو الكتاب الجامع للكتب كلّها.
![]() |
![]() |





