الفتوحات المكية

المواقف في بعض إشارات القرآن إلى الأسرار والمعارف

للأمير عبد القادر الحسني الجزائري

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


122. الموقف الثاني والعشرون بعد المائة

قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾[القصص : 28/ 68].

المختار عند التحقق من اجتمع له العلم والإرادة والقدرة، وليس ذلك إلاَّ الحق تعالى ـ، فهو المختار، بمعنى أنَّه عالم مريد قادر، لا بمعنى الاختيار المعروف، وهو التردد بين الأمرين، ثم وقوع الاختيار على أحدهما، فإنَّ أحديّة المشيئة تمنع من اتصاف الحق تعالى بالاختيار بهذا المعنى. ثم أخبر تعالى بنفي الخيرة، اسم من الاختيار، عن كل ما سواه، بمعنى أنَّه لا يصح ولا يستقيم ولا يكون لهم ذلك لأنَّ عطف الاختيار على الخلق مشعر بأن الذي يخلق هو الذي يختار، وليس ذلك إلاَّ الحق تعالى ـ، فإنه الذي له الخلق و الأمر. ومن لا يخلق لا يصحّ له الاختيار:

﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾[النحل: 16/ 17].

والاختيار المنفي عمَّا سوى الحقّ هو الاختيار الثابت للحقّ تعالى ـ، لا الاختيار الذي هو ضدَّ الجبر، ولا أنهم مجبورون على الاختيار. ويحتمل أن يكون المراد نفي الخيرة عنهم، من حيث مصلحتهم، أي ماكان يثبت لهم من جهة مصلحتهم أن يختاروا،  فإنهم العجّز الجاهلون بالمصالح، فقد يختارون ما فيه هلاكهم من حيث لا يشعرون:

﴿وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾[البقرة: 2/216].

وأقل ما فيه من الشرّ سوء الأدب بعد التفويض، ومشاركة الحق تعالى بالاختيار، الذي هو خصيص به. فكان اللازم المتعيّن على الناصح لنفسه أن لا يختار شيئاً، وإن ظهرت له خيرته في الأمور الدينية غير المتعيّنة، و الدنياوية. بل يفوّض الخيرية إلى العالم بالأشياء وبعواقبها فلا يسأل من الله تعالى إلاَّ ما يعلمه الله خيراً ومصلحة. ولذا قال بعض العارفين:

«الفقير ليس له إلى الله حاجة».

يعني على التعيين، لجهله بما هو خير له، وقال بعضهم: «كل داع غير مفوّض فهو مستدرج»، هذا لسان الظاهر والعموم، وأما لسان التحقيق والخصوص، فهو أنَّ الأعيان الثابتة، التي هي صور الأسماء الإلهية هي المختارة، بمعنى الطالبة، لم يفعله الحق تعالى بها. فلا تطلب غيره بل لا تقبله، فاختياره تعالى لا يكون إلا َّ لما اختار ته وطلبته باستعدادها. فالربّ الجامع، يخلق ما يشاء. ولا يشاء إلاَّ ما علم. وما علم إلاَّ ما اختارته الأعيان الثابتة. وما اختارت إلاَّ ما هو في حقيقتها واستعدادها، بحيث لا تقبل غيره، أن لو فعل بها ولا يفعل. إن الحق تعالى حكيم يضع كلّ شيء موضعه اللائق به، ويختار ما اختارته، ومحال أن يختار غير ما اختارته. ما كان لهم الخيرة من حيث أعيانهم الظاهرة المحسوسة، فإنها جاهلة محجوبة عن استعدادها وعمَّا هي طالبة له، على مقتضى حقيقتها. ولا يخلق تعالى إلاَّ ما يشاء ويختار. ولا يشاء ويختار إلاَّ ما علم. وما علم إلاَّ ماهو المعلوم عليه في حقيقته ومقتضاه باستعداده. و المعلوم لا يتبدّل ولا يتغير عن حقيقته، إذ لو تبدّل وتغيّر عن حقيقته، إذ لو تبدّل وتغير لانقلب علمه تعالى جهلاً، وذلك محال. فليس للخالق تعالى إلاَّ الخلق، وهو إعطاء الوجود للأحوال التي طلبته الأعيان الثابتة ب استعدادها، أي عين كانت. فما حكم عليها إلاَّ بها، ولا أثر لم يسمى مشيئة واختياراً إلاَّ من حيث أنه تعالى غير مكره. ولا ملجأ، بمعنى أنه لا يفعل شيئاً وهو كاره له غير مريد، ولا مختار. فلا اختيار، لأن سبق العلم بالفعل والترك ينافيه. ولا اضطرار ولا جبر، لأن الفعل بالإرادة ينا فيه. فالاختيار محال، والجبر بمعنى الإكراه من الغير محال. ولعل خفّاشاً لا يقدر بصره على إدراك شمس الحقيقة، يقول: إنك نفيت عنه تعالى ما أثبته لنفسه من المشيئة والاختيار، وهو الذي يتأتّى منه الفعل والترك، وليس ذلك إلاَّ الحق تعالى ـ، وإلى فاعل يتأتى منه الفعل دون الترك، ويتوقّف على وجود شرط وانتفاء مانع، وهو الفاعل بالطبع. فأقول: من تغلغل في الحقائق، واستظهر ظواهر الطرائق،  علم أن الأعيان الثابتة التي قلنا إنها الطالبة من الحق باستعدادها ما يفعله بها، هي صور الأسماء الإلهية. والأسماء الإلهية صور الذات العليّة ومراتب تجلّياتها، إذ الأسماء معان لا قيام لها بنفسها، ويكفي هذا النزر لمن يتبصّر.

﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾[النور: 24/ 40].


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!