الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر
وهو منتخب من كتاب لواقح الأنوار القدسية المختصر من الفتوحات المكية
تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني
![]() |
![]() |
[الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها]
(و قال) : في قوله تعالى: إِنَّ اَللّٰهَ ومَلاٰئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى اَلنَّبِيِّ [الأحزاب: 56] في هذه الآية الشريفة عظيم للملائكة لجمعهم مع اللّه في ضمير واحد في قوله: يُصَلُّونَ [الأحزاب: 56] وإنما نصب الملائكة بالعطف ليتحقق أن الضمير جامع للمذكور قبله فليتأمل. وقال: ينبغي للمصلي على الميت إذا شفع فيه بالدعاء عند اللّه أن لا يخص ذنبا بعينه بل يعم كل ذنب ويعترف عن الميت بجميع السيئات لتعم الميت الرحمة وإن لم يعمم المصلي فالميت تحت المشيئة فإن شاء الحق عمه بالتجاوز والمغفرة، وإن شاء عامل الميت بحسب ما وقعت فيه الشفاعة من الشافع قال: ولهذا ينبغي للمصلي على الميت أن يسأل اللّه تعالى له التخليص من العذاب لا في دخول الجنة فقط لأنه مأثم دار ثالثة إنما هي جنة ونار وإذا سأل في دخول الجنة قبل سؤاله ولكن ربما يرى في الطريق ما يهوله فلهذا كان اشتغال المصلي في شفاعته بأن ينجي اللّه في ذلك الميت من كل ما يحول بينه وبين استصحاب العافية له أولى للميت وأنفع وفي الحديث: «و عافه واعف عنه» قال: وعلم مما قدمناه أن الشفاعة مقبولة في كل مسلم وأن كل من ظن بمسلم عدم قبول الشفاعة فيه فما عنده من ذلك خير لا واللّه بل ذلك الميت سعيد ولو كانت ذنوبه عدد الحصى، والرمل، أما المختصة باللّه تعالى فمغفورة وأما مظالم العباد فإن اللّه يصلح بين عباده يوم القيامة فعلى كل حال لا بد من الخير ولو بعد حين قبل دخول الجنة فاعلم ذلك وقال رفع الآيدي في التكبيرات مؤذن بالافتقار في كل حال كان الشافع يقول ما بأيدينا شيء من أحوالنا ولأمر كله لك يا ربنا قال: وإنما استقر الأمر في الجنازة على أربع تكبيرات اعتبارا بأن أكثر عدد ركعات الفرائض أربع ومعلوم أنه لا ركوع في صلاة الجنازة بل هن كلها قيام وكل قيام للقراءة فيها له تكبيرة وأطال في ذلك. وقال الذي أقول به: إنه لا ترجيح في مكان وقوف الإمام على الجنازة من رأسه ووسطه ورجليه ذكرا كان وأنثى وذلك لأن مقصود المصلى إنما هو سؤال اللّه تعالى والحديث معه في الشفاعة في حق هذا الميت وإحضار الميت بين يديه فلا يبالي أين يقوم منه إلا أن يرد عن الشارع فيه شيء فيتبع.
قال: وأيضا فإن التردد في الوقوف يقسم الخاطر عن المقصود، يفرقه عنه لا سيما إن كانت الجنازة أنثى فإنه يتوهم أنه إذا وقف وسطها يسترها بذلك الوقوف عمن خلفه ولا يخطر له ذلك حتى يستحضر في نفسه عورتها فلم يسترها عن نفسه وذلك يقدح في حضور المصلي مع الحق فإنه إنما يستقبل الحق من المصلي قلبه والقلب قد تفرق بيقين باستحضار ما لا ينبغي استحضاره من عورة المرأة وأطال في ذلك. وقال الذي أقول: جواز الصلاة على القبر من غير مدة معينة لأن شرط الصلاة إنما هو مواراته عن الأبصار بكفن وبتراب وأطال في ذلك ثم قال: فإن كان المراد بتلك الصلاة الروح المدبر لهذا الجسم فالروح قد عرج به إلى بارئه، وقد فارق الجسد فلا مانع من الصلاة عليه وإن كان المراد بتلك الصلاة الجسد دون الروح فسواء كان فوق الأرض وتحت الأرض فإن الشارع ما فرق فكل واحد قد رجع إلى أصله فالتحق الروح منه بالأرواح والتحق العنصري بالعنصر فليتأمل ويحرر.
(و قال) : في حديث صلوا على من قال: لا إله إلاّ اللّه فربط الشارع صحة الصلاة على الميت بالقول لكلمة التوحيد فمن لا يتصور منه القول ولم يسمع منه قولها كالصبي الرضيع صلينا عليه فإن الرضيع يلحق بأبيه في الحكم ومن لم يسمع منه يلحق بالدار والدار دار الإسلام وأطال في ذلك. وقال: الذي أقول به وجوب الصلاة على من قتل نفسه خلافا لبعضهم في استناده إلى خبر أن الذي قتل نفسه خالد مخلد في النار يعني خلود تأبيد ونحن نقول لم يرد لنا نص في النهي عن الصلاة على من قتل نفسه فيحمل الخبر على من قتل نفسه ولم يصل عليه ولا سيما والأخبار الصحاح والأصول تقضي بخروج قاتل نفسه والخبر الوارد في خلوده في النار خرج مخرج الزجر ويحمل على قاتل نفسه من الكفار فإنه لم يقل في الحديث من المؤمنين فتطرق الاحتمال وإذا تطرق الاحتمال رجعنا إلى الأصول فرأينا أن الإيمان قوى السلطان لا يتمكن معه الخلود في النار على التأبيد إلى غير نهاية والأدلة الشرعية تؤخذ من جهات متعددة ويضم بعضها إلى بعض ليقوي بعضها بعضا وأما حديث بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة، أي قبل رؤيتي لا سيما من قتل نفسه شوقا إلى ربه فإن القاتل نفسه لو لا ظن الراحة عند ربه ما قتل نفسه ولا بادر إلى ذلك واللّه يقول: أنا عند ظن عبدي بي قال: وهذا هو الأليق أن يحمل عليه لفظ هذا الخبر الإلهي إذ لا نص صريحا يخالف هذا التأويل وإن ظهر فيه بعد فلبعد الناظر في نظره من الأصول المقررة التي تناقض هذا التأويل فإن في الصحيح أخرجوا من النار من كان في قلبه أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فلم يبق إلا ما ذكرناه ه فليتأمل ويحرر.
(و قال) : وجه من منع الصلاة على شهيد المعركة كونه جاء بنص القرآن كحياة زيد وعمرو ومن كان بهذه المثابة فلا يصلى عليه ووجه من قال: يصلي عليه مع اعتقاده إيمانا أنه حي كونه انقطع عمله فهو وإن كان حيا قد انقطع عن العمل فيدعى له فيزاد في درجاته ويصير ذلك كأنه من عمله وقال: الذي أقول به في الأطفال المسبيين من أهل الحرب إذا ماتوا، ولم يحصل منهم تمييز ولا عقل بأنه عليهم فإنهم على فطرة الإسلام كما في حديث: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه» وأنه قال: وما قلنا أولى ممن قال: لا يصلى عليهم لأن الطفل مأخوذ من الطفل وهو ما ينزل من السماء غدوة، وعشية، وهو أضعف من الرش والوبل والسكب فلما كان بهذا الضعف كان مرحوما والصلاة رحمه فالطفل يصلى عليه إذا مات بكل وجه ه فليتأمل ويحرر. وقال الوالي: أولى من الولي في الصلاة على الجنازة لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم صلى على الجنائز ولم ينقل عنه قط أنه اعتبر الولي ولا سأل عنه وقدم الحسين بن علي سعيد بن العاص وهو والي المدينة في الصلاة على الحسن بن علي قال: وإلحاقه في هذه المسألة بصلاة الجماعة وصلاة الجمعة أولى من إلحاقه بالولي في مواراته ودفنه وذلك أن الوالي له إطلاق الحكم في العموم والخصوص فهو أقوى ممن له الحكم في بعض الأمور فهو أولى بالشفاعة عند اللّه في الميت فإنه نائب الشارع ونظر الشارع إلى من استخلفه أعظم من نظره إلى غيره وكلامه أقبل عنده لكونه فوض إليه الحكم فيه ولاه وقال في قوله تعالى: هُوَ اَلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ومَلاٰئِكَتُهُ [الأحزاب: 43] إنما فصل تعالى بين صلاته علينا وبين صلاة الملائكة دون صلاته تعالى على محمد صلى اللّه عليه وسلم في قوله: إِنَّ اَللّٰهَ ومَلاٰئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى اَلنَّبِيِّ [الأحزاب:56] بينا لتخصيصه صلى اللّه عليه وسلم على غيره من الخلق مع أنه صلى اللّه عليه وسلم دخل معنا أيضا في صلاة الحق في قوله: «عليكم» فحصل له صلى اللّه عليه وسلم الصلاة عليه جمعا وإفرادا.
![]() |
![]() |





