الفتوحات المكية

الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر

وهو منتخب من كتاب لواقح الأنوار القدسية المختصر من الفتوحات المكية

تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


[الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها]

(و قال) : من غيرة اللّه تعالى أنه ما من مخلوق إلا ولمخلوق آخر عليه يد بوجه ما فإن أراد مخلوق الفخر على مخلوق بما أسداه إليه من الخير نكس رأسه ما كان من مخلوق آخر إليه لتكون المنة للّه وحده ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم للأنصار لما ذكر لهم أن اللّه تعالى هداهم به صلى اللّه عليه وسلم لو شئتم لقلتم وجدناك طريدا فآويناك وضعيفا فنصرناك. الحديث. فذكر ما كان منهم في حقه صلى اللّه عليه وسلم وكان اللّه قادرا على نصره من غير سبب ولكن فعل ما تقتضيه الحكمة من ربط الأسباب بعضها ببعض قال: وهذا من أسرار المعرفة فاجعل بالك له.

(و قال) : في قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ [النور: 36] الآية معنى رفعها تمييزها عن البيوت المنسوبة إلى الخلق ويذكر فيها اسمه أي بالأذان، والإقامة، والتلاوة والذكر والموعظة يُسَبِّحُ أي يصلي لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ واَلْآصٰالِ ( 36 ) رِجٰالٌ إنما لم يذكر النساء لأن الرجل يتضمن المرأة فإن حواء جزء من آدم فاكتفى يذكر الرجال عن النساء تشريفا للرجال لاٰ تُلْهِيهِمْ أي لا تشغلهم تِجٰارَةٌ أي بيع وشراء ولاٰ بَيْعٌ [النور: 37] أي وحدة وأطال في تفاصيل ذلك. وقال في قوله تعالى: إِنَّ اَلصَّلاٰةَ تَنْهىٰ عَنِ اَلْفَحْشٰاءِ واَلْمُنْكَرِ [العنكبوت: 45] إنما كانت كذلك لأن المصلي بمجرد الإحرام بها يحرم عليه التصرف في غير الصلاة ما دام في الصلاة فنهاه ذلك الإحرام عن الفحشاء والمنكر فانتهى فصح له أجر من عمل بأمر اللّه وطاعته وأجر من انتهى عن محارم اللّه في نفس الصلاة وإن لم ينو هو ذلك فانظر ما شرف الصلاة كيف أعطت هذه المسألة العجيبة وقليل من أصحابنا من تفطن لها.

(و قال) : من تعدى إلى غيره وهو محتاج إليها فهو عاص وصدقته لهواه لا للّه لأن الشارع قال له: ابدأ بنفسك وإذا خرج الإنسان بصدقته فأول ما يلقاه نفسه قبل كل نفس وهو إنما خرج بها للمحتاجين وقد شرع الحق لنا أيضا أن نبدأ في الهدية بالأقرب فالأقرب من الجيران فإن رجحنا الأبعد فقد اتبعنا الهوى وما وقفنا عند حدود ربنا. وقال في قوله صلى اللّه عليه وسلم في حق قوم: 177 «ينصب لهم يوم القيامة منابر في الموقف ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء» المراد بالشهداء هنا الرسل إذ هم شهداء على أممهم وإنما كانوا يغبطون هؤلاء القوم لما هم فيه من الراحة، وعدم الحزن والخوف في ذلك الموطن لأنهم لم يكن لهم أمم ولا أتباع كالأنبياء، والرسل، والأئمة المجتهدين فهم آمنون على أنفسهم والأنبياء والأئمة خائفون على أممهم وأتباعهم، فلذلك ارتفع الخوف والحزن عن هؤلاء القوم في ذلك اليوم في حق غيرهم والأنبياء تخاف على أممها دون أنفسها. وقال: وهذه مسألة عظيمة الخطب جليلة القدر لم نر أحدا ممن تقدمنا تعرض لها ولا قال فيها مثل ما قلنا إلا إن كان وما وصل إلينا.


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!