الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر
وهو منتخب من كتاب لواقح الأنوار القدسية المختصر من الفتوحات المكية
تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني
![]() |
![]() |
[الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها]
(و قال) : إنما شرعت الصفوف في الصلاة ليتذكر الإنسان بها وقوفه بين يدي اللّه تعالى يوم القيامة في ذلك الموطن المهول والشفعاء من الأنبياء والملائكة والمؤمنين بمنزلة الأئمة في الصلاة يتقدمون الصفوف فمن أكثر من هذا التذكر خف هوله وفزعه يوم القيامة بإدمان ذلك التذكر. (قلت) : قد ذكر الشيخ في الباب السابع والأربعين وثلثمائة ما نصه إنما لم يقف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يمين جبريل كما هو شأن المنفرد لأنه صلى اللّه عليه وسلم لما صلى خلفه صباح فرضية الصلاة رأى الملائكة يصلون خلف جبريل فلذلك وقف في صفهم خلفه ولو أنه لم ير الملائكة خلفه لوقف عن يمين جبريل وكذلك لو أن الرجل الذي صلى خلف النبي صلى اللّه عليه وسلم وأمره بالوقوف عن يمينه كأن يشاهد من يصلي من الملائكة خلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما أمره بالوقوف عن يمينه فراعى صلى اللّه عليه وسلم حكم ذلك المأموم وليس حكم من لم يشاهد الأمور ببصره حكم من لم يشاهدها انتهى فتأمله. وذكر الشيخ أيضا في البابالأحد والثلاثين وأربعمائة في قوله صلى اللّه عليه وسلم لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه أي ولو كان الإمام الأعظم في حق آحاد رعيته فإنه تحت حكم رب البيت حيثما أقعده قعد ما دام في سلطانه والخليفة وإن كان أكبر منه وأعظم لكن حكم المنزل حكم عليه فرده مرءوسا. قال: وكذلك حكم الخليفة إذا دخل بلاد أحد من نوابه وخليفة آخر هو تحت حكم ذلك الخليفة والنائب قال: وكذلك الحكم إذا دخلنا على اللّه الذي هو في بيته الذي هو المسجد كان له الحكم فينا بسبب إضافة البيت إليه ولذلك أمرنا أن نحييه بركعتين وأن لا نعمل فيه إلا ما أذن لنا في عمله. وقال: إنما كان الإمام لا يحمل عن المأموم شيئا من الأركان بخلاف السنن لأن الأركان من فروض الأعيان فلا يجزي فيها نفس عن نفس شيئا بخلاف ما ليس بفرض قال: وما عدا الفرض وإن كان حقا من حيث ما هو مشروع فهو على قسمين جعل له بدل وهو سجود السهو وذلك في الأبعاض وقسم هو حق من حيث ترغيب العبد فيه فإن شاء عمل به وإن شاء تركه وليس له بدل كرفع الأيدي في كل خفض ورفع ونحو ذلك فمن سجد في ترك الأبعاض كان له أجر من أنكى عدوه كما أشار إليه خبر كانتا ترغيما للشيطان، والشيطان من الكافرين وقال تعالى: ولاٰ يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ اَلْكُفّٰارَ ولاٰ يَنٰالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّٰ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صٰالِحٌ [التوبة: 120 ] وقد بسط الشيخ الكلام على تكميل الفرائض من النوافل في البابالسادس والسبعين وثلثمائة، فراجعه فيما سيأتي. وذكر الشيخ في الكلام على صلاة الجنازة أن من انتقص من صلاته شيئا فإن اللّه لا يقبله ناقصا ولكن يضم بعض الصلوات إلى بعض فإن كانت له مائة صلاة مثلا وفيها نقص كملت بعضها من بعض، ثم أدخلت حضرة الحق كاملة فتصير المائة صلاة مثلا ثمانين صل وخمسين وعشرين وعشرة وغير ذلك. هكذا حكم صلاة الثقلين. وأما صلاة الملائكة والحيوان والجماد والنبات فكلها كاملة لا يدخلها نقص. انتهى واللّه أعلم.
وسيأتي شرح حديث لا يقبل من صلاة المرء إلا ما عقل منها في البابالسادس والسبعين وثلثمائة فراجعه وكذلك سيأتي في البابالأخير من الكتاب ما نصه: اعلم أنه لا يسمى نفلا إلا ما له أصل في الفرائض وأما ما لا أصل له في الفرائض فهو إنشاء عبادة مستقلة يسميها بعضهم بدعة وسماها الشارع سنة حسنة ولمن سنها أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا قال: ولما لم يكن من قوة النفل أن يسد مسد الفرض جعل الشارع في نفس النفل فروضا ليجبر النفل بالفرائض كصلاة النافلة بحكم الأصل، ثم إنها تشتمل على فرائض من ذكر وركوع وسجود مع كونها في الأصل نافلة وهذه الأقوال والأفعال فرائض فيها فيه فعلم أنه لا يصح نفل إلا بعد كمال فرض وأن في النفل عينه فروض ونوافل فيما من الفروض تكمل الفرائض واللّه أعلم.
(و قال) : مذهب الإمام علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عدم الفتح على الإمام إذا أرتج عليه ومذهب ابن عمر الفتح، ووجه مذهب علي أن الإمام في مقام النيابة عن الحق تعالى في تلاوة كلامه على العباد، ولا ينبغي لمخلوق أن يكون له على الحق ولاية فافهم وقال في حديث: إذا قال العبد: اللّه أكبر يعني في صلاته يقول اللّه تعالى: أنا أكبر فإذا قال العبد: لا إله إلا أنت فيقول اللّه: لا إله إلا أنا الخ. فإذا كان الحق تعالى لا يقول شيئا من ذلك إلا حتى يقول العبد فالعبد أولى بالاتباع لإمامه انتهى، وهذا استنباط حسن. (و قال) : في فصول الجمعة التي أذهب إليه أن صلاة الجمعة قبل الزوال لأنه وقت لم يشرع فيه فرض. قلت: وفي تعليله نظر فليتأمل واللّه أعلم. وقال: الذي أذهب إليه أن المسجد إذا كان له ثلاث مؤذنون أن يؤذن واحد بعد واحد ولا يؤذن ثلاثة معا ولا اثنان معا لأنه خلاف السنة.
(قال) : وإذا أذن الثلاثة واحدا بعد واحد يقول الأول حي على الصلاة ويقول الثاني: حي على الصلاة في الجماعة ويقول الثالث: حي على الصلاة في الجماعة في هذا اليوم فيعلم كل مؤذن بحال لم يعلم بها الآخر انتهى، فليتأمل ويحرر. وقال الذي أقول به جواز إقامة جمعتين في مصر واحد لأنه لم يأت في المنع من ذلك نص في كتاب ولا سنة، قال: وكذلك أقول إن خطبة الجمعة ليست بفرض إنما هي سنة فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما نص على وجوبها ولا ينبغي لنا أن نشرع وجوبها ولم تزل الأئمة يصلونها بخطبة كما في صلاة العيدين مع إجماعنا أن خطبتهما سنة قال: ووجه من قال بالوجوب أنه تأول قوله تعالى: إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلاٰةِ مِنْ يَوْمِ اَلْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اَللّٰهِ [الجمعة: 9] يعني سماع المواعظ في الخطبة وهو وجه ظاهر أيضا وأطال في ذلك ثم قال: ولما لم يرد لنا نص في إيجاب الخطبة ولا تعيين ما يقال فيها صح عندنا أن لا نجزم بوجوب بل الواجب أن نفعل مثل ما رأينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يفعل على طريق التأسي لا على طريق الوجوب قال تعالى: لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: 21] وقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللّٰهُ [آل عمران: 31] فنحن مأمورون باتباعه فيما سن وفرض فنجازي من اللّه فيما فرض جزاء فرضين: فرض الاتباع وفرض الفعل الذي وقع فيه الاتباع ونجازي فيما سن ولم يفرضه جزاء فرض وسنة فرض الاتباع وسنة الفعل الذي لم يوجبه فإن احتوى ذلك الفعل على فرائض جوزينا جزاء الفرائض بما فيه من الفرائض ومثال ذلك نافلة لصلاة ونافلة الحج فإنها عبادة تحتوي على أركان وسنن وأما صدقة التطوع فما فيها شيء من الفرائض.
(و قال) : إنما شرع قراءة سورة الجمعة في صلاة الجمعة لما فيها من المناسبة والاقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأما قراءة سبح اسم ربك الأعلى فلما فيها من تنزيه الحق عما يظهر في هذه العبادة من الأفعال وقد سمى نفسه تعالى أنه يصلي فتسبيحه عن هذا التخيل الذي تتخيل النفس من قوله يصلي فناسب سبح اسم ربك الأعلى وهذا المعنى نظير الوتر فإنها شرعت في صلاة الوتر لينزه عما يتخيل من صورة الوترية المفهومة من المخلوقات وأما قراءة إذا جاءك المنافقون وسورة الغاشية فلمناسبته لما تضمنته الخطبة من الوعد والوعيد فتكون القراءة في الصلاة تناسب ما ذكره الإمام في الخطبة وقد قال تعالى: لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: 21] .
![]() |
![]() |





