الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر
وهو منتخب من كتاب لواقح الأنوار القدسية المختصر من الفتوحات المكية
تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني
![]() |
![]() |
[الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها]
(قلت) : ذكر الشيخ في البابالتاسع والستين وثلثمائة ما نصه: اعلم أن من آداب الوقوف بين يدي اللّه تعالى في الصلاة الذل والمسكنة، والتكلف شغل العبد حال الذليل في مناجاة سيده وقد وردت السنة بذلك وهو عندي أحسن من إسبال اليدين. قال: وإيضاح ما قلناه إن اللّه تعالى قسم الصلاة بينه وبين عبده نصفين فجزء منها يخلص للّه من أولها إلى قوله: مٰالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ ( 4 ) [الفاتحة: 4] فهذا بمنزلة اليد اليمنى من العبد إشارة للقوة الإلهية قال: تعالى: لَأَخَذْنٰا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) [الحاقة: 45] والجزء الآخر يخلص للعبد من قوله: اِهْدِنَا إلى آخر السورة فهذا بمنزلة اليد اليسرى الذي هو الجانب الأضعف الأصغر. قال: ولما كان جزء منها بين اللّه وبين عبده وهو قوله: إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وإِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ جمع العبد بين يديه في الصلاة مجامع المناجاة فكملت صفة العبد بجمعه بين يديه ولو أسبل يديه لم تكمل صفته فانظر إلى هذه الحكمة ما أجلاها لذي عينين انتهى، ثم لا يخفى أنه إذا كان جعل اليدين على الصدر يشغل العبد عن مناجاة ربه، فإرسالهما أولى فالتحقيق أن جعل اليدين على الصدر للكمل الذين لا يشغلهم ذلك عن اللّه وأن إرسالهما أولى لغير الكمل إذ مراعاة وضعهما على الصدر يشغل عن كمال التوجيه فليتأمل واللّه أعلم. قارن معنى قول العهد في حال اعتداله عن الركوع ولا ينفع ذا الجد منك الجد أي لا ينفع من كان له حظ في الدنيا من جاه ورياسة ومال استناده إلى ذلك دون اللّه فإذا انكشف الغطاء يوم القيامة لم ينفعه ماله ولا جاهه عند اللّه تعالى، واللّه أعلم.
(و قال) : إنما جوز الإمام أبو حنيفة رضي اللّه تعالى عنه ترك الطمأنينة في الاعتدال وبين السجدتين خوفا من ترك المسارعة إلى الخيرات المأمور بالمسارعة إليها فخاف إن اطمأن أن يفوته ذلك مع أنه رضي اللّه تعالى عنه قائل باستحباب الطمأنينة ووجه هذا القول أن الطمأنينة لا تنافي المسارعة إلى الخيرات، واللّه أعلم.
(و قال) : إنما وقع الاتفاق على وجوب السجود على الجبهة، واختلفوا في وجوبه على الأنف لأن الأنف ليس بعظم خالص بل هو إلى العضلية أقرب منه إلى العظمية فتميز عن الجبهة فكانت الجبهة هي المقصود الأعظم. وفي الحديث: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم» وبدأ بالجبهة فافهم، وقال: إنما أمر العبد أن يقول: سبحان ربي الأعلى وسبحان ربي العظيم بإضافة الرب إلى ياء النسبة لأن الرب يتفاضل العلم به من كل عبد، وكل عبد يعتقد في ربه خلاف ما يعتقده غيره مما يقوم في الخيال فلذلك كان كل عبد لا يسبح إلا ربه الذي اعتقده ربا وكم شخص لا يعتقد في الرب ما يعتقده غيره بل ربما كفر غيره في اعتقاده في ربه فلو أمر العبد أن يسبح الرب مطلقا باعتقاد كل معتقد لسبح هذا الشخص من لا يعتقده ربا فلذلك قال: سبحان ربي الذي اعتقده وأعرفه أنا دون غيري واللّه أعلم.
(و قال) : طالب العلم لغير اللّه أفضل من الجاهل لأنه إذا حصل العلم كما ذكر فقد يرزق التوفيق فيعلم كيف يعبد ربه قال: ومن هنا جازت إمامة ولد الزنا لأنه كالعلم الصحيح عن قصد فاسد غير مرضي عند اللّه تعالى فهو نتيجة صادقة عن مقدمة فاسدة قال: وكما جازت إمامة ولد الزنا كذلك جاز الاقتداء بفتوى العالم الذي ابتغى بعلمه الرياء والسمعة، فأصل طلبه غير مشروع وحصول عينه في وجود هذا الشخص فضيلة. وقال: لا تصح إمامة الجاهل الذي لا يعلم ما يجب مما لا يجب والمقتدي به ضال قال: وليس ذلك بمنزلة صلاة المفترض خلف المتنفل فإن الإمام إذا تنفل وخالف المأموم في نيته فما خالفه فيما هو فرض في الصلاة لأن الإمام الذي هو المتنفل ما فعل إلا ما هو فرض عليه أن يفعله من أركان الصلاة من ركوع وسجود وغير ذلك فما اقتدى الذي نوى الفرض خلف المتنفل إلا فيما هو فرض على المتنفل قلت: وسيأتي في البابالسادس والسبعين وثلثمائة الكلام على تكملة الفرائض بالنوافل يوم القيامة أن الفرائض لا تكمل إلا بما هو ركن في النافلة لا بما هو سنة واللّه أعلم.
![]() |
![]() |





