الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر
وهو منتخب من كتاب لواقح الأنوار القدسية المختصر من الفتوحات المكية
تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني
![]() |
![]() |
[الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها]
(و قال) : شرط من يناجي ربه أن يشاهد بقلبه ومتى تحدث في صلاته مع غير اللّه فما هو المصلي الذي يناجي ربه ويشاهده بل لا يتجرأ مخلوق قط أن يحدث من هذه حالته. وقال: يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع وقد غلط من فاضل بينه وبين يوم عرفة وعاشوراء لأن ذلك يرجع إلى مجموع أيام السنة لا إلى أيام الأسبوع ولهذا قد يكون يوم الجمعة يوم عرفة ويوم عاشوراء يوم الجمعة ويوم الجمعة لا يتبدل لا يكون أبدا يوم السبت ولا غيره من الأيام وذلك لأن فضل يوم الجمعة ذاتي لعينه وفضل يوم عرفة وعاشوراء وغيره لأمور عرضت إذا وجدت في أي يوم كان من أيام الأسبوع، كان الفضل لذلك اليوم لهذه الأحوال العوارض ولهذا قال بعضهم: الغسل لأجل اليوم لا لأجل الصلاة.
(و قال) : إنما قرن البيضة مع الحيوان في حديث التكبير إلى الجمعة لأن منها وفيها تتكون الدجاجة وما في معناه من الحيوان الذي يبيض قال: وإنما ذكر من الحيوان ما يؤكل بلا خلاف من البدنة، والبقرة، والكبش، والدجاجة لأن بذلك تعظم قوة الحياة في الشخص المتغذي فكأن المتقرب بذلك الحيوان تقرب بحياته والتقرب إلى اللّه تعالى بالنفس أسنى القربات فهذا نكتة كونه لم يذكر في التقرب إلا الحيوان الذي يؤكل دون غيره. وقال الذي أقول به: إن الساعات التي وردت في فضل الرواح محسوبة من وقت النداء الأول إلى أن يبتدئ الإمام بالخطبة ومن بكر قبل ذلك فله من الأجر بحسب بكوره مما يزيد على البدنة مما لم يوقته الشارع. قال: والسعي إلى الجمعة سعيان سعي مندوب إليه وذلك من أول النهار إلى وقت النداء وسعي واجب وهو من وقت النداء إلى أن يدرك الإمام راكعا من الركعة الثانية. وقال في فصول صلاة السفر الذي أقول به: إن القصر جائز في كل سفر قريبا كان وبعيد مباحا كان ومعصية وأطال في استدلاله على ذلك.
(و قال) : قد أجمع العلماء كلهم على جواز الجمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر بعرفة، وعلى الجمع بين المغرب والعشاء بتأخير المغرب إلى وقت العشاء بمزدلفة. واختلفوا فيما عدا هذين المكانين، والذي أذهب إليه أنه لا يجوز الجمع في غير عرفة ومزدلفة لأن أوقات الصلاة قد ثبتت بلا خلاف ولا يجوز إخراج صلاة عن وقتها إلا بنص غير محتمل إذ لا ينبغي أن يخرج عن أصل ثابت بأمر محتمل هذا لا يقول به من شم رائحة العلم وكل حديث ورد في ذلك فمحتمل أن يتكلم فيه مع احتماله وهو صحيح لكنه ليس بنص. قال: وأما الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر فهو موافق لقوله تعالى: ومٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78] ولحديث: «دين اللّه يسر» ولقول ابن عباس في جمع النبي صلى اللّه عليه وسلم بين الصلاتين في الحضر من غير عذر إنه أراد أن لا يحرج أمته. قال: وبذلك قال جماعة من أهل الظاهر: وهو مذهب مرجوح وخالفهم الجمهور.
(قلت) : رأيت في كتاب «رحمة الأمة في اختلاف الأئمة» عن محمد بن سيرين وعن ابن المنذر أنه يجوز لمن وراءه حاجة أن يقدم الصلاة عن وقتها ما لم يتخذ ذلك عادة، وقد وقع لي أنني حكيت هذا المذهب لبعض الإخوان فظن شخص من الحسدة أنني أفتيته به فأشاع عني ذلك في مكة ومصر، هذا مع سماعه مني حكاية قول ابن عباس آخر الأمر من جمع بين صلاتين في الحضر من غير عذر فقد أتى بابا من الكبائر فاللّه يغفر له ما افتراه بمنه وكرمه واللّه أعلم.
(و قال) : الذي أقول به: جواز الجمع في الحضر للمريض ثم قال: والكسل مرض النفس ومع ذلك فلا يجوز الجمع به وأما من كان مرضه استيلاء الأحوال عليه بحيث يخاف أن يغلب عليه الحال كما يخاف المريض أن يغمى عليه فيجوز له الجمع لأن الحال مرض، والمقام صحة. انتهى فليتأمل ويحرر على ظاهر الشريعة. وقال في صلاة الخسوف الذي أذهب إليه أن الإمام مخير في الصور التي ثبتت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم فبأي صلاة صلى أجزأته وصحت صلاة الجماعة إلا الرواية التي فيها الانتظار بالسلام فإنه عندي فيها نظر لكون الإمام يصير فيها تابعا وقد نصبه اللّه متبوعا قال: وسبب توقفي من غير جزم من طريق المعنى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر الإمام أن يصلي بصلاة المريض وذوي الحاجة. قال: وقد جاءت الرواية أن الناس كانوا يأتمون بأبي بكر وأبو بكر يأتم برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيحتمل أنه كان يخفف من أجل مرض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فالإمام في مثل هذه الحالة يكون مؤتما بوجه إماما بوجه فلهذا لم يترجح عندي نظر في رواية الانتظار انتهى فليتأمل ويحرر. وقال إذا كثرت وسوسة العبد في الصلاة من الشيطان فحكم صلاته حكم صلاة شدة الخوف فيصلي على المحاربة ولو قطع الصلاة كلها في المحاربة، ويؤدي الأركان الظاهرة كما شرعت بالقدر الذي له من الحضور أنه في الصلاة في باطنه كما يؤدي المجاهد الصلاة حال المسايفة بباطنه كما شرعت بالقدر الذي له من الصلاة في ظاهره بالإيماء بعينيه والتكبير بلسانه في جهاد عدوه الظاهر قال: وإن وسوس له الشيطان مع ذلك فلا يضره وسوسته كما أنه إذا شرع في الجهاد على الإخلاص ثم عرض له في أثنائه أن يقاتل رياء وسمعة فلا يبالي بذلك لأن الأصل صحيح في أول نشأة القتال فلا ينبغي أن يبطل عمله ويقع في مخالفة قوله تعالى: ولاٰ تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ [محمد: 33] ويوافق غرض الشيطان وقال في صلاة المريض الذي أذهب إليه في دفع المال أن يدفعه من موضع جبهته فقط حال سجوده في الأرض فإذا حال بينه وبين موضع سجوده، فلذلك المأمور أن يدفعه ويقاتله وما زاد على ذلك فلا يلزم المصلي دفعه ولا قتاله والإثم يتعلق بالمار في القدر الذي يسمى بين يديه عند العرب إذا لم نجد عن الشارع في ذلك شيئا. قال: والصلاة صحيحة على كل حال.
(و قال) : اختلفوا في النفخ في صلاة: هل هو كلام ولا؟ ومبناه على أن نفخ عيسى في الطائر بإذن اللّه هل يقطع حضوره مع ربه؟ الأصح لا يقطع. قال: فمن اعتبر النفخ بدلا من كن جعله كلاما ومن اعتبره لا بمعنى كن بل جعله سببا لم يجعله كلاما وما يجعل قوله بِإِذْنِي معمولا لقوله فَتَكُونُ طَيْراً لا لقوله فَتَنْفُخُ فِيهٰا [المائدة: 110] ه، فليتأمل ويحرر. وقال الذي أقول به أن المصلي يرد السلام على من سلم عليه فإنه ذكر اللّه وهو من الأذكار المشروعة في التشهد في الصلاة فله أصل يرجع إليه والدعاء في الصلاة جائز وفيه ذكر الناس مثل قوله: 146 اللّهم اغفر لي ولوالدي، وفي القرآن وإِذٰا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰ ورُدُّوهٰا [النساء: 86] فجاء بالفاء فلا ينبغي التأخير ولم يخص صلاة ولا غيرها وكل ذكر اللّه مشروع بدعاء وغيره انتهى فليتأمل ويحرر.
![]() |
![]() |





