الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر
وهو منتخب من كتاب لواقح الأنوار القدسية المختصر من الفتوحات المكية
تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني
![]() |
![]() |
[الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها]
(و قال فيه) : في الكلام على التشهد: إعلم أن الألف واللام في لفظة: السلام عليك أيها النبي للجنس لا للعهد فهو مثل التحيات للّه في الشمول، والعموم أي: السلام عليك بكل سلام. قال: وإنما كان السلام عليه هنا بلفظ النبي دون الرسول لأن النبوة في حق ذات النبي أعم وأشرف، فإنه يدخل فيها ما اختص به في نفسه وما أمر بتبليغه لأمته الذي هو منه رسول نعم قال: وإنّما أتى المصلي به صلى اللّه عليه وسلم من غير حرف النداء المؤذن بالعبد لأنه في حال قربة منه باحضاره في ذهنه ولهذا جاء بخرف الخطاب في قوله: عليك.
(قلت) : وذكر الشيخ في البابالثالث والسبعين: أن السلام إنما شرع من المؤمنين لأن مقام الأنبياء يعطي الاعتراض عليهم لأمرهم الناس بما يخالف أهواءهم فكأن المؤمن يقول: يا رسول اللّه أنت في أمان من اعتراضي عليك في نفسي وقال كذلك: السلام على عباد اللّه الصالحين فإنهم كذلك يأمرون الناس بما يخالف أهواءهم بحكم الإرث للأنبياء قال: وأما تسليمنا على أنفسنا فإن فينا ما يقتضي الاعتراض واللوم هنا علينا، فنلزم نفوسنا التسليم فيه لنا، ولا نعترض كما يقول الإنسان. قلت لنفسي: كذا فقالت: لا أنتهي قال: وإنما أمر المصلي أن يقول: السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين بالألف واللام أيضا لتشمل جميع السلام بأجناسه على نفسه قال: وإنما جاء بنون الجمع ليؤذن بأن كل جزء من هذا المسلم يسلم عل بقية أجزائه وعوالمه حين رأى بيت قلبه خاليا من كل ما سوى اللّه فسلم على نفسه كما أمر أن يسلم إذا دخل بيتا ما فيه أحد نيابة عن الحق الذي يشهده في قلبه كما قال: إن اللّه قال على لسان عبده سمع اللّه لمن حمده قال: وإنما قال وعلى عباد اللّه الصالحين بالواو دون ذكر لفظ السلام تنبيها على أن المراد بالصالحين المستعملين في أمور مطلق الإسلام من المسلمين لا الصالحين في العرف قال: وإنما لم يعطف المصلي السلام الذي سلم به على نفسه بالواو على السلام الذي سلم به على نبيه لأنه لو عطفه عليه لسلم على نفسه من جهة النبوة وهو باب قد سده اللّه كما سد باب الرسالة عن كل مخلوق بمحمد صلى اللّه عليه وسلم إلى يوم القيامة وتعين بهذا أنه لا مناسبة بيننا وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإنه في المرتبة التي لا تبغى لنا فابتدأنا بالسلام علينا في طورنا من غير عطف، انتهى.
(قلت) : وفي هذا القول من الشيخ رحمه اللّه رد على من افترى عليه أنه يقول: لقد حجر ابن آمنة واسعا بقوله: «لا نبي بعدي» وقد ذكر في شرحه لترجمان الأشواق أيضا ما نصه: اعلم أن المقام المحمدي ممنوع من دخوله لنا وغاية معرفتنا به النظر إليه كما ننظر الكواكب في السماء وكما ينظر أهل الجنة السفلى إلى من هو في عليين. قال: وقد فتح الشيخ أبي يزيد البسطامي من مقام النبي قدر خرم إبرة تجليا لا دخولا فاحترق فكذب، واللّه من افترى على الشيخ وخاب مسعاه واللّه أعلم.
(قال) : وإنما لم يكن التشهد الأول وجلوسه واجبا لأن هذا الجلوس عارض عرض لأجل القيام بعده إلى الركعة الثالثة والعرض لا ينزل منزلة الفرض ولهذا يسجد من سها عنه بخلاف الجلوس الأخير. قال: فهو من التجليات والبرزخيات فإنه سبحانه دعا عبده أن يسلم عليه بما شرع فيه من التحيات فلمن رأى أن ذلك المقام يدعوه إلى التحية جلس. قال: 115 والحكمة في ذلك أن الصلاة تقتضي الشفعية لقوله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي وأطال في ذلك قال رضي اللّه عنه: واعلم أننا لم نقف على رواية عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في تشهده الذي كان يقوله في الصلاة هل كان يقول مثلنا: السلام عليك أيها النبي وكان يقول: السلام علي وكان لا يقول شيئا من ذلك، ويكتفي بقوله: السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين.
قال: فإن كان يقول مثل ما أمرنا أن نقول من ذلك فله وجهان أحدهما أن يكون المسلم عليه هو الحق وهو مترجم عنه كما جاء في سمع اللّه لمن حمده. والوجه الثاني: أنه كان يقام في صلاته في مقام الملائكة مثلا، ثم يخاطب نفسه من حيث المقام الذي أقيم فيه أيضا من كونه نبيا فيقول: السلام عليك أيها النبي فعل الأجنبي فكأنه جرد من نفسه شخصا آخر قال: وإنما قال: وأشهد أن محمدا رسول اللّه ولم يقل: نبي اللّه لأن الرسالة هنا أعم لتضمنها النبوة فكان يحتاج إلى ذكر الرسالة بعد النبوة ليظهر اختصاصه على من ليس له مقام الرسالة من عباد اللّه النبيين قال: وأما قوله في تشهد ابن عباس: سلام عليك أيها النبي بالتنكير فوجهه أنه راعى خصوص حال كل مصل فجاء بسلام منكر ليأخد كل مصل منه على حسب حاله من مقام السلام على النبي صلى اللّه عليه وسلم ومن مقام السلام على نفسه وعلى الصالحين من عباد اللّه ولذلك اختص بترك تكرار لفظ الشهادة في الرسالة واكتفى بالواو لما فيها من قوة الاشتراك وأسقط في هذه الرواية ذكر لفظ العبودية لتضمن الرسالة لها انتهى. فتأمل يا أخي هذا المحل المتعلق التشهد فإنك لا تكاد تجده في كتاب واللّه يتولى هداك، وقال: إنما أمرنا بالاستعاذة من فتنة المسيح الدجال لما يظهره للخلق في دعواه الألوهية وما يخيله من الأمور الخارقة للعادة من إحياء الموتى، وغير ذلك مما ثبتت به الروايات وجعل ذلك آيات له على صدق دعواه قال: وهذه مسألة في غاية الإشكال لأنها تقدح فيما قرره أهل الكلام في العلم بالنبوات فيبطل بهذه الفتنة كل دليل قرره وأي فتنة أعظم من فتنة تقدح في الدليل الذي أوجب السعادة للعباد فاللّه يجعلنا من أهل الكشف والوجود، انتهى فليتأمل ويحرر.
(و قال) : إنما كان المصلي يسلم تسليمتين لانتقاله من حال إلى حال فيسلم بالأولى على من انتقل عنه وبالثانية على من قدم عليه قال: وكل مصل لم يغب في صلاته عن غير اللّه عز وجل فما برح من الأكوان فعلى من يسلم وهو ما برح مع الكون فهلا استحى هذا المسلم من اللّه حيث يرى الناس بسلامه عليهم أنه كان غائبا عند اللّه فلا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم. وقال: الحكمة في رفع الأيدي في الصلاة الإعلام بكل شيء حصل في اليدين قد سقط عند رفعهما وكان الحق تعالى يقول: معلما للعبد إذا وقفت بين يدي فقف فقيرا محتاجا لا تملك شيئا وكل شيء ملكته يداك فارم به وقف صفر اليدين واجعل ذلك خلف ظهرك فإني قد قبلتك قال: ولهذا يستقبل بكفيه قبلته.
![]() |
![]() |





