الفتوحات المكية

الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر

وهو منتخب من كتاب لواقح الأنوار القدسية المختصر من الفتوحات المكية

تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


[الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها]

(و قال فيه) : إنما كان لا يجب أن يوافق المأموم إمامه في النية لأن النية أمر غيبي والائتمام لا يكون إلا فيما يشاهد من الأفعال ولذلك فصل الشارع ما أجمله في الائتمام فذكر الأفعال بقوله فإذا كبر فكبروا الخ. وما ذكر النية فلا ترتبط نية المأموم بنية الإمام إلا في الصلاة من حيث حركاتها الظاهرة فقط ولكل واحد ما نوى، وقال الذي أقول به: إن قوله: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ [الأنعام: 79] الخ لا ينبغي أن يكون إلا في صلاة التهجد لأنه لم يبلغنا عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ذلك في الفرائض والوقوف عند ما أورد أولى حتى يأتي ما يخالفه انتهى، فليتأمل ويحرر، فإن بعض العلماء ذكر أنه ورد في الفرائض أيضا. وقال من شأن الأديب العالم أن لا يناجي ربه إلا بكلامه الجامع ولذلك قال: «لا صلاة إلا بأم القرآن» والأم هي الجامعة فكان هذا الحديث مفسر لقوله تعالى: فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ اَلْقُرْآنِ [المزمل:20] وإذا ورد أمر مجمل من الشارع ثم ذكر الشارع وجها خاصا مما يكون تفسيرا لذلك المجمل كان الأولى عند الأدباء من العلماء الوقوف عنده. (قلت) : قد ذكر؟ ؟ ؟ الشيخ في الباب الثالث والأربعين وثلثمائة ما نصه: اعلم أنه لما كانت الصلاة محلا يجمع فيه بين اللّه والعبد بقراءة الفاتحة تعين القول بفرضيتها على المصلي في الصلاة 7 فما صلى الصلاة التي قسمها اللّه بينه وبين عبده فإنه ما قال: قسمت الفاتحة وإنما قال: قسمت الصلاة بالألف واللام اللتين للعهد والتعريف فلما فصل الصلاة المعهودة بالتقسيم المذكور في الحديث جعل محل القسمة قراءة الفاتحة قال: وهذا أقوى دليل يوجد في فرض قراءة الحمد في الصلاة ه‍. وذكر الشيخ في الباب الخامس والتسعين ومائتين ما نصه: «اعلم أن القاف الغير المعقودة حرف بين حرفين بين الكاف والقاف المعقودة ما هي كاف خالصة ولا قاف خالصة» .

(قال) : ولهذا ينكرها أهل اللسان فأما شيوخنا في القراءة فإنهم لا يعقدون القاف ويزعمون أنهم هكذا أخذوها عن شيوخهم وشيوخهم عن شيوخهم في الأداء إلى أن وصلوا إلى العرب الذين هم أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم كل ذلك أداء وأما العرب الذين لقيناهم ممن بقي على لسانه ما تغير كبني فهم فإني رأيتهم يعقدون القاف. وهكذا جميع العرب فما أدري من أين دخل على أصحابنا ببلاد المغرب ترك عقدها في القرآن ه‍، واللّه أعلم.

(قال) : وإنما شرعت المناجاة للحق بكلامه حال القيام غيره من أحوال الصلاة للاشتراك في القيومية قال: وهذا كان من أدب الملوك إذا كلمهم أحد من رعيتهم أن يقوم بين أيديهم ويكلمهم ولا يكلمهم جالسا فتبع الشرع في ذلك العرف وأطال في ذلك. قال: وإنما أمرنا الحق أن نقول: إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وإِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) [الفاتحة: 5] وبنون الجمع إشارة إلى أن الحق يريد منا أن نعبده بجميع أعضائنا الظاهرة والباطنة ونستعين به بكليتنا كذلك ومتى لم يكن المصلي بهذه المثابة من جمع عالمه كله على عبادة ربه كان كاذبا في قوله: نعبد ونستعين فإذا رآه الحق ملتفتا إلى شيء قال له: كذبت، قال كذلك قول الحق إذا حمده عبده: حمدني عبدي، لا يكون له ذلك الحمد إلا إن حضر بكليته فإن غاب فما حمد الحق إلا لسانه فقط فلا يقول له الحق: حمدني عبدي وإنما يقول: حمدني لسان عبدي وذلك لأن اللّه لما فرض على العبد أن يناجيه بكليته فلا تقوم جارحة من جوارحه إلا عن نفسها فقط.

(قلت) : وسيأتي في الباب التاسع والسبعين وثلثمائة إن شاء اللّه تعالى: أن الشارع صلى اللّه عليه وسلم إنما جاء ببعض الأذكار مثلثا أي بأن يقول ذلك ثلاث مرات ليحصل بذلك الثواب المحسوس، والثواب المتخيل والثواب المعنوي، فينعم حسا وخيالا وعقلا كما يذكر حسا وخيالا وعقلا وأطال في ذلك واللّه أعلم. وذكر الشيخ في الباب الثامن والثمانين أن من أدب العارف إذا قرأ في صلاة مطلقة أن لا يقصد قراءة سورة معينة وآية معينة وذلك لأنه لا يدري أين يسلك به ربه من طريق مناجاته فالعارف بحسب ما يناجيه به من كلامه وبحسب ما يلقي إليه الحق في خاطره واللّه أعلم.

(و قال) في حديث: فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه المراد موافقتهم في الطهارة، والتقديس، والتلفظ وغير ذلك. وذكر في الباب الثالث والسبعين في الجواب الموفي مائة من أسئلة الحكيم الترمذي ما نصه: اعلم أن معنى آمين: أجب يا رب دعاءنا يقال: أم فلان جانب فلان إذا قصده وقال تعالى: ولاَ آمِّينَ اَلْبَيْتَ اَلْحَرٰامَ [المائدة: 2] أي قاصدين. قال: وإنما خففت الميم من آمين تنبيها على السرعة المطلوبة في الإجابة إذ الخفة تقتضي الإسراع في الأشياء، قال: وإنما قال: غفر له ولم يقل: أجيب دعاؤه لأنه لو أجيب لما غفر له لأن المهدي إلى الصراط المستقيم ما له ما يغفر. (قلت) : قد ذكرنا نحو ذلك في أجوبة شيخنا واللّه أعلم. قال: وأما قوله: فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة ليس المراد بها الموافقة الزمنية ويحتمل أن يكون المراد بها ذلك فيحويهم زمان واحد عند قولهم آمين ثم إن الملائكة لا يخلو قولها: آمين أن يقولوها متجسدين وغير متجسدين فإن قالوها متجسدين فربما يكون المراد الموافقة الزمانية خاصة لأن التجسد يحكم عليه بالإتيان بلفظ: آمين أي بترتيب هذه الحروف وأما إن قالوها غير متجسدين فلن يبق معنى الموافقة إلا أن يقولها العبد بالحال الذي يكون عليها الملك وأطال في ذلك بكلام دقيق فراجعه إن شئت واللّه أعلم.


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!