الفتوحات المكية

الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر

وهو منتخب من كتاب لواقح الأنوار القدسية المختصر من الفتوحات المكية

تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


[الباب التاسع والخمسون وخمسمائة في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة]

(و قال) : لا تكثر الوارد إلا على باب الأجواد فإن البخيل بابه مغلق والجواد جواده مطلق إذا فنى الكريم عن شهود جوده في حال جوده فهو الدليل على صحة وجده ووجوده، فإنه ما أعطى للخلق إلا ما كان لهم في خزائن الحق ومع هذا فله الأجر في استعماله في هذا الأمر ومن تكرم وجاد وتخيل أن له فضلا على العباد فما جاد إذ المنة إذا فاعلم ذا وقال: لا يتعدى قط حكيم ما رتبه العليم فما حكم به الولي في الخلق يمضيه الحق وإن رده الحاكم الجائر فلا يلتفت إلى رده فإنه من صدق وعده وهو لا يخلف الميعاد فلا بد من رد أهل الإلحاد. وقال: قد كان الحق ولا شيء معه فهو السابق وهو الذي يصلي علينا فهو اللاحق، تارة يتجلى في اسمه الأول وتارة في اسمه الآخر. وقال: من كان سهل القياد خيف عليه الفساد ولكنه أمن من العناد ما يسعد المنقاد إلا بحكم الاتفاق فليس مطلق الانقياد من مكارم الأخلاق فمن حكم العلم سلم وغنم. وقال: من كانت همته عالية لم يظهر لهمته تأثير في هذه الدار الفانية فإنها تفنى بفنائها وترحل عن فنائها. وقال: المشكور قد يمكر به فإن من أوصل حقا إلى مستحقه فقد أدى إليه واجب حقه فعلام وقع الشكر ولا بدل ولا فضل، وقد قرن اللّه الزيادة بالشكر لما علم فيها من المكر.

وقال: عطاء اللّه كله بدل وإن كان منعا ومن آثر على نفسه من المؤمنين فهو الخاسر وإن نجا، فإن المؤمن قد باع نفسه من اللّه والمبيع لمن اشتراه وحق اللّه، لكن الدعوى أوقعت العبد في البلوى ابدأ بنفسك مقدما لها على أبناء جنسك. وقال: من رأى الكون عينا مستقلة فهو صاحب علة ما قال بالعلل إلا القائل بأن العالم لم يزل وأتى للعالم بالقدم وما له في الوجود الوجوبي قدم لو ثبت للعالم العدم لاستحال عليه العدم والعدم ممكن بل واقع عند العالم الجامع لكن أكثر العبيد في لبس من خلق جديد فما عرف تجدد الأعيان إلا أهل الحسبان وأثبت ذلك الأشعري في العرض وتخيل الفيلسوف فيه أنه صاحب مرض لجعله بسواد الزنجي وصفرة الذهب.

وقال: الوقت سيف ومنه الخوف. كل الخوف زمانك حالك وفي إقامتك ارتحالك، فسيرك يا هذا كسير سفينة بقوم جلوس والقلوع تطير وقال: ولو كتم العبد سرا لما قيل له: لقد جئت شيئا إمرا ولا نكرا ولو ترك السر مخزونا ما كان الكليم مغلوبا إن هي إلا فتنتك من شدة الشوق عن ذوق. وقال: العذاب الحاضر تعلق الخاطر من يئس استراح وخرج من القيد، وراح الأنس لا يكون إلا بالمشاكل والمشاكل مماثل والمثل ضد والضدية بعد الأنس بالأنس لا يكون إلا المفتون والكتاب المكنون لا يمسه إلا المطهرون. قال: إنما حرمت الخمرة في هذه الدار لأنها تبدي الأسرار وترفع الأستار فحرمت في الدنيا لقوة سلطانها وهي لذة للشاربين حيث كانت، لكنها في الدنيا محرمة وفي الآخرة مكرمة وهي ألذ أنهار الجنان ولها مقام الإحسان.

وقال: لا يقطع العبد على ربه بأمر لأنه يفعل ما يريد وما عصى إلا بعلمه وما خولف إلا بحكمه، وكذلك حكم من أطاعه إلى قيام الساعة.

وقال: ليس لأهل الجنان عقل يعرف إنما هو شهوة وهوى يتصرف العقل في أهل النار مقيله وبه يكثر حزن الساكن بها وعويله العقل من صفات الخلق ولهذا لم يتصف به الحق العقل آلة التكليف، فإذا زال التكليف تأثر العقل. وقال: الحق نزوله سرى إلى السماء التي تلي الورى فيسامرهم بالسؤال والنوال ويسامرونه بالأذكار والاستغفار. ويقول: ويقولون ويسمع ويسمعون هذا معنى النزول عند أرباب العقول المخلوق ضعيف ولو لا المصالح ما نزل التكليف فخذ منه ما استطعت ولا يلزمك العمل بكل ما جمعت فإن اللّه ما كلف نفسا إلا ما أتاها وجعل لها بعد العسر يسرا حين تولاها وشرع في أحكامه المباح وجعله سببا للنفوس إلى السراح والاسترواح ما قال في الدين يرفع الحرج إلا من على منهج الشارع درج اللّه يسر فما يمازحه عسر، ومن شدد على هذه الأمة بعث يوم القيامة في ظلمة. وقال: ما العجب إلا من قوله: وإِلَيْهِ يُرْجَعُ اَلْأَمْرُ كُلُّهُ [هود: 123] كيف قيل: يرجع إليه وهو ما برح لديه ولم تزل في يديه ستور مسدلة وأبواب مقفلة وعبارات موهمة وهي شبهات من أكثر الجهات.

وقال: إذا لمح القلب شهود الحق فهو حينئذ ضيف نازل يتعين على المؤمن القيام بحقه والكرامة تكون على قدر القلب لا النازل عليه وفي العموم عل النازل لا المنزل عليه، فلا يحجبنك أنزلوا الناس منازلهم لأننا لو عاملنا الحق بهذه المعاملة لم يصح بيننا وبينه مواصلة.

وقال: حقيق على الخلق أن لا يعبدوا إلا ما اعتقدوه من الحق وأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: 40] فالكل من عندكم دليل اللّه أكبر إلى تحوله يوم القيامة في الصور. وقال: لا تسكن إلا السهل إن أردت أن تكون من الأهل، لا تدخل بين اللّه وبين عباده ولا تسع عنده في خراب بلاده، هم على كل حال عباده وقلوبهم بلاده ما وسعه سواها وما حوته ولا حواها ولكنها نكت تسمع وعلوم مفرقة تجمع وقل كما قال العبد الصالح: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبٰادُكَ [المائدة: 118] الآية. وقال: ذهب بعض الأماثل أن العالم بجملته أبدا نازل يطلب بنزوله من أوجده والحق تعالى لا ينتهي إليه فكان ينبغي من أول حركة أن يعتمد عليه لأنه جل وعز أن تقطع دونه المفازات الحال يحيل العلم به فأين تذهبون يقول العارف لأبي يزيد: الذي تطلبه تركته ببسطام فدل على هذا المقام. وقال: كلما خبثت السريرة عميت البصيرة ويرفع الالتباس بتفاضل الناس. وقال: ما من شخص إلا ويخاطبه الحق من قلبه ويحدثه من لبه وهو لا يعرفه إنما يقول خطر لي كذا وكذا ولا يدري ذلك من أين لجهله بالعين، فما فاز أهل اللّه إلا بشهوده لا بوجوده مع أن شهود الحق لا ينضبط وهو مع العالم مرتبط ارتباطا عبد بسيد ومملوك بمالك ومقهور بقاهر.

وقال: الجنين في كبد إلى أن يولد هو في ظلمة غمه ما دام في بطن أمه، ولما علم أنه في أمر مريج أراد الخروج والعروج فأخرجه على الفطرة التي كان عليها أول مرة، فالشقي هو الشقي في بطن أمه لما هو عليه من غمه والسعيد سعيد في بطن أمه لما خصه به من علمه فلقد رأيت من شمت أمه وهو في بطنها حين عطست وحمدت فهذا واحد خصه اللّه بعلمه وهو في بطن أمه فلا يحجبنك قوله تعالى: واَللّٰهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهٰاتِكُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ شَيْئاً [النحل: 78] فإن ذلك مثل من رد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا فلا يلزم من العالم حضوره دائما مع علمه وهكذا حال الجنين إذا خرج من بطن أمه. وقال: العجب كل العجب من رؤية الحق في القدم أعيانا لها حالها العدم، ثم إذا أبرزهم إلى وجودهم تميزوا في الأعيان بحدودهم انظر وحقق ما أنبهك عليه واستر، أوجد اللّه في عالم الدنيا الكشف والرؤيا فيرى الأمور التي لا وجود لها في عينها قبل كونها ويرى الساعة في مجلاها والحق يحكم فيها بين عباده حين جلاها وما ثم ساعة وجدت ولا حالة مما رآها شهدت فتوجد بعد ذلك في مرآها كما رآها فإن تفطنت فقد رميت بك على الطريق وهذا منهج التحقيق. وقال: في قوله: يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ اِتَّقِ اَللّٰهَ [الأحزاب: 1] : اعلم أن من علم الخبير تأديب الصغير بالكبير أدب الأمة بتأديب رسولها لتبلغ باستعمال ذلك الأدب إلى تحصيل مأمولها، فخاطب الرسول والمراد من أرسل إليه فابحث عليه. وقال: قال تعالى: ظَهَرَ اَلْفَسٰادُ فِي اَلْبَرِّ واَلْبَحْرِ بِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنّٰاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ اَلَّذِي عَمِلُوا [الروم:41] فأخبر تعالى أن ذلك جزاء ما هو ابتداء فما ابتليت البرية وهي برية هذه مسألة صعبة المرتقى لا تنال إلا باللقاء اختلفت فيها طائفتان كبيرتان فمنعت واحدة ما أجازت الأخرى والرسل بما اختلفوا فيه تترى وما تحقق أحد منهم ما جاءت به الرسل ولا سلك فيه سواء السبيل بل كان واحد ينصر ما قام في غرضه وهو عين فرضه إلا الطبقة العليا فإنهم علموا الأمور في الدنيا فلم يروا أمرا في الدنيا مؤلما إلا وهو جزاء ما هو ابتداء بقول الطبيب إذا تألم المريض ما قصدت إلا نفعه بما أمرته به من الأدوية المؤلمة وكذلك يقول الحق تعالى للطبيب إذا مرض ولم يدر من أي باب دخل عليه المرض: آلمك هذا إنما هو جزاء لما آلمت به المرضى فخذ جزاء ما فعلته. وقال: أصدق القول ما جاء في الكتب المنزلة والصحف المطهرة ومع تنزيهها الذي لا يبلغه تنزيه نزلت إلى التشبيه الذي لا يماثله تشبيه فنزلت آياته بلسان رسوله وبلغ رسوله بلسان قومه وما ذكر صورة ما جاء به الملك هل هو أمر ثالث ليس مثلهم ومشترك، وعلى كل حال فالمسألة فيها إشكال لأن العبارات لحننا والقرآن كلام اللّه لا كلامنا فما التنزل والمعاني لا تتنزل إن كانت العبارات فما هو القول الإلهي وإن كان القول فما هو اللفظ الكياني وهو اللفظ بلا ريب فأين الشهادة والغيب إن كان دليلا فكيف هو أقوم قيلا، وما ثم قيل إلا من هذا القبيل، وهو معلوم عند علماء الرسوم فتحقق ولا تنطق. وقال: لما أقام الشارع العصمة مقام الحرس لم يحتج صلى اللّه عليه وسلم إلى العسس وطالما كان يقول: من يحرسنا الليلة مع علمه بأن المقدر كائن والحارس ليس بمانع ما قدر ولا صائن لكن المعبود طلب بذل المجهود وهو يفعل ما يشاء وهذا مما يشاء وما يشاء إلا ما علم وما علم إلا ما هو ثم فللّه الحجة البالغة فافهم.


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب

البحث في كتاب الفتوحات المكية



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!