الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر
وهو منتخب من كتاب لواقح الأنوار القدسية المختصر من الفتوحات المكية
تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني
![]() |
![]() |
[الباب التاسع والخمسون وخمسمائة في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة]
وقال: كيف للخلق أن يردوا دعوة الحق لو لا أن صنعته ردت عليه وبضاعته ردت إليه ما أشبه ذلك بالصدى إذا قهر بدا يتخيل المصوت أنه غيره وما ثم إلا أمره الحق واحد والاعتقادات تنوعه وتفرقه وتجمعه وهو في نفسه لا يتبدل وهو في عينه لا يتحول كما أنه يحصره الأين ويحده الانقلاب من عين إلى عين فلا يحاز فيه إلا النبيه ولا يتفطن إلى هذا التنبيه إلا من آمن بما ورد من التنزيه والتشبيه وأما من نزه فقط وشبه فقط فهو صاحب غلط لأن التشبيه تنزل للعقول وتمهيد للقبول. وقال: السيد يستخدم العبد بمقاله والعبد يستخدم سيده بحاله ولسان الحال أفصح من لسان المقال، إذ الأحكام التي تتضمنها الأحوال إنما تعرف بقرائن الأحوال والاصطلاح قد لا يكون له في كل باب مفتاح.
وقال: مقاومة الأقدار للحق والمصابرة فيها فيها رائحة النزاع للأقدار فالسعيد من العبيد من كان مع اللّه كما يريد فإن أراد منه النزاع نازع لكن هو نزاع بحكم الشرع لا بحكم الطبع لو لا الفرج الإلهي ما تاب التائب ولو لا التبشبش الرباني ما اتصف آتي المسجد بالذاهب.
وقال: لما أراد الحق تعالى المناجاة في مسجد الجماعات أمر بإعلان الأذان لأصحاب الآذان، فمن أجاب الداعي فهو صاحب السمع الواعي وما للأحدية في النداء أثر ولا في شجرتها ثمر فاللّه أكبر مفاصلة ولا إله إلا اللّه مفاصلة والشهادة بالرسالة مفاصلة عن مواصلة الحيعلتين مقابلة والنداء مؤذن بالبعد والأذان لنا دليل على عدم عموم الرشد فإن رعاة الأوقات عارفون بالميقات، فالأذان لا يكون إلا لمن هو مشغول بالأكوان مأثم إلا مشتغل لأنه بالأصالة منفعل وإن كان الفاعل منفعلا للمنفعل فهو فضل منه اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] . وقال: على قدر دعوى الإيمان يكون الامتحان فالمؤمن ليس في أمان إلا في أكدار الحيوان.
(و قال) : الإيثار ليس هو من صفة علماء الأسرار لأن ما هو لك لا تقدر على دفعه وما هو لغيرك فلا تقدر على منعه فأين الإيثار؟ فالأمر أمانة فأدها وإلا سلب عنك اسمها. وقال: ليس العجب ممن ساء سبيلا إنما العجب ممن اتخذ مستخلفه وكيلا ولو لا ورد بذلك الأمر الرباني لرده الأدب الكياني ما أجهل أكثر الناس بمواطن الأدب وهو الذي أداهم إلى العطب وقد يكون ترك الأدب أدبا كما يكون ترك السبب سببا، ومن قال: برفع الأسباب فلا بد له من الابتلاء فاعتبروا يا أولي الألباب. وقال: لا تبلغ الأعاجم مع امتلائها في سمائها مبلغ الأعراب دليلنا الخيل العراب الأعجام إبهام والأعراب إبانة الكلام اختص الإعجاز بالقرآن وإن كانت جميع الكتب كلام الرحمن. وقال: المنزلة الرفيعة في التزام الشريعة فلا تشرع من عند نفسك قط حكما وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: 114] . وقال: المشاورة وإن نبهت على ضعف الرأي فهي من الرأي لا يطلع على مراتب العقول إلا أصحاب المشاورة فإنها أجمع للفهم والفكر.
وقال: لا تقل وصلت فما ثم نهاية ولا تقل لم أصل فإن ذلك عماية ليس وراء اللّه مرمى وهناك يستوي البصير والأعمى.
(و قال) : باب التشريع قد ضاع مفتاحه وقيد سراحه، فصباحه لا ينبلج وبابه لا ينفرج وإن خوطب به الكامل فهو تعريف بما ثبت وأعلام بما عنه سكت عليك بالصفوف الأول فمنها تشاهد الأزل وإياك أن تتأخر فتؤخر وأنت ذو ورا مما ترى. وقال: إذا خاطبك الحق بلسان لا تعرفه فقف وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: 114] ولا تمش فيه بالفكر وعليك بالعمل بالقرآن تطلع على الفرقان والقرآن المطلق يعطي ما لا يعطي القرآن المقيد وقيد اللّه قرآنه بالعظمة والمجد والكرم. وقال: لا تعجب ممن وصف الجواد بالعطاء ولكن أعجب ممن وصفه بالإمساك، وأعجب منه من وصف الحق بما لا يليق به مع أنه ما أطلق الألسنة عليه بذلك إلا هو. وقال: إياك وخضراء الدمن وهي الجارية الحسناء في منبت السوء فإن اللّه تعالى يقول: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ اَلْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام: 112] وهو ما يزينه الشيطان من الأعمال فإن كان لها وجه إلى الحق فالمعدن خبيث جاء إبليس إلى عيسى عليه السلام فقال له: قل لا إله إلا اللّه فهذه كلمة طيبة من معدن خبيث فقال: أقولها لا لقولك فما قال: لا إله إلا اللّه التي أمر بها إبليس فهذه جارية حسناء في منبت سوء. وقال: ما عصى آدم إلا بالأخذ بالتأويل ولا عصى إبليس إلا بالأخذ بالظاهر فما كل قياس يصيب ولا كل ظاهر يخطئ فإن قست تعديت الحدود وإن وقفت مع الظاهر فإنك علم كثير فقس مع الظاهر في التكليف وقس ما عداه تحصل على فائدة عظمى وتخفف عن هذه الأمة فإن ذلك مقصود نبيها صلى اللّه عليه وسلم.
وقال: لو أخذوا بالظاهر في كتابهم ما نبذوه وراء ظهورهم فما أضر بهم إلا التأويل فاحذروا من غائلته، فإن المكلف مخاطب بألسنة فصاح ولكن العيب والسقم من الفهم. وقال: إذا أيه اللّه بك في: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا [الحجرات: 12] فكن أنت ذلك المؤيه به فإن أخبرك فافهم. واعتبر وإن أمرك ونهاك فامتثل وما ثم قسم رابع إنما هو خبر وأمر ونهي. وقال: أنزله تعالى في خطابه إياك منزلة الأم من الشفقة إن لم يمكنك الترقي إلى أعلى من أمك فإنه أشفق عليك منها بيقين وتلق منه بالقبول ما يورده عليك فإنه ما خاطبك إلا لينفعك.
![]() |
![]() |





