الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر
وهو منتخب من كتاب لواقح الأنوار القدسية المختصر من الفتوحات المكية
تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني
![]() |
![]() |
[الباب التاسع والخمسون وخمسمائة في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة]
(و قال) : أصدق الأخبار ما كان بالحال من أثنى على نفسه بالكرم توقف السامع فيه حتى يتكرم فإذا كان العطاء ارتفع الغطاء. وقال: إن اللّه عند لسان كل قائل وما تكلم إلا اللسان والقائل في الشاهد هو الإنسان في الإيمان الرحمن لقوله: «كنت سمعه الذي يسمع به، ولسانه الذي يتكلم به» . الحديث فمن كذب العيان كان قوي الإيمان ومن تردد في الإيمان تردد في العيان فلا إيمان عنده ولا عيان ومن صدق العيان وسلم الإيمان كان في أمان اللسان ترجمان الجنان وما وسع الرب إلا القلب وأنت ترجمان الحق إلى الخلق فأين الكذب عند هذه المشاهدة وما ثم ناطق إلا الحق الصمد والواحد. وقال: الروح واسطة وهو بين الرسول البشري والحق رابطة يوحى به إليه إذا نزل بالوحي عليه وقد أمر بالأدب معه حتى يجمعه لأنه ما عجل به حتى كشفه وما نطق به حتى عرفه فقيل له: اكتم السر حتى لا يعلمه الملك بما لك. (و قال) : إذا كان الرسول حسن الصورة فذلك إشارة إلى جمال المرسل إليه وقد حصل إدراك البغية بنزول جبريل في صورة دحية أين صورة مالك من صورة رضوان أين النار من الجنان. وقال: النفث في الروع من وحي القدس وهو عين الإلهام لكن ما هو مثل وحي الكلام ولا وحي الإشارة والعبارة وما ثم إلا ملهم وهو الخاطر الخاطر من السحاب الماطر ويسمى الخاطر الأول لأن النفث لا يكون له مكث فحلوله انتقاله ووروده زواله. وقال: من احتج عليك بما سبق فقد حاجك بالحق ومع هذا فهي حجة لا تنفع صاحبها ولا نعصم جانبها ومع كونها ما نفعت سمعت وقيل بها وإن عدل الشرع من مذهبها فإنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ولكن أكثر الناس لا يشعرون ومثل هذه المسألة لا يكون جهارا ولا يكلم بها إلا إشعار مع أنه لو جهر بها كانت علما ونقحت فهما وأورثت في الفؤاد كلما دونه نجز القمم لما يؤدي إليه من دروس الطريق الأمم الذي عليه جميع الأمم وإن كان كل دابة مأخوذا بناصيتها. وقال: إنما ذهب بعض أهل الكلام إلى انعدام العرض لنفسه لا الأجسام ليكون الخالق خلافا على الدوام، والعالم مفتقر إليه ومعول في وجوده عليه، وأما أهل الحسبان فقالوا بتجدد جميع الأعيان في كل زمان وما خصوا عينا من عين ولا كونا من كون، وأما من يعلم أن المتحيز هو كل ما قام من الأعراض فهو جامع بين المذاهب والأغراض.
(و قال) : الطلب من الأدب لأنه تعالى ما أوجدك إلا لتسأل فإنك الفقير الأول فاسأل من كريم ولا تبخل فإنه ذو فضل عميم ومن اتبع هواه لم يبلغ مناه. وقال: معنى قول العارفين من وحد فقد ألحد أي مال إلى الحق لأن الملحد هو المائل في لغة كل قائل. وقال: إلا الإلحاد لا بد منه، ولا محيص لمخلوق عنه ألا ترى أصحاب الأعراف لما تساوت كفتا ميزانهم كيف وقفوا بين الجنة والنار فلا هم مع الأشرار ولا مع المصطفين الأخيار فلو لا ما تفضل الحق عليهم من السجود إليه ما برحوا عليه فلما سجدوا انفكوا من أسر السور والتحقوا بدار السرور.
وقال: الحال المرتحل من يكرر تلاوة ما أنزل فانتهاؤه عين ابتداؤه ولكن من تكرر عنده المعنى في تلاوته فما تلاه حق تلاوته وكان ذلك دليلا على جهالته ومن زادته تلاوته في كل مرة علما وأفادته حكما فهو التالي لمن هو في وجوده له تالي.
(و قال) : من استدان من غير حاجة مهمة فهو ناقص الهمة وإنما كان من عرف نفسه عرف ربه لأن علم قلبه وسع ربه لا تعلم الذات إلا مقيدة وإن أطلقت هكذا عرفت الأشباه وحققت فالإطلاق تقييد في حق العادات والعبيد، فإن الخلق مع الأنفاس في خلع ولباس ولا يشعر بذلك إلا القليل من الناس الذات مجهولة فما هي علة ولا معلولة ولا للدليل مدلولة فإن وجه الدليل يربط الدليل بالمدلول والذات لا ترتبط، ولا تختلط. وقال: الأحباب أرباب، والمحبوب خلف الباب، وإنما كان المحب صاحب بلوى لأنه رب دعوى ولذلك اختبر بخلاف المحبوب. وقال: في قوله: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم أين هذا من قوله: «أنا سيد ولد آدم» فداخل الخليل كان لآدم السجود، ولمحمد المقام المحمود فيا ليت شعري هل تقوم الحلة مقام كون رسالة محمد تعم كل ملة محمد صاحب الوسيلة في جنته ما نالها إلا بدعاء أمته أين أمته منه في الفضيلة ومع هذا بدعائهم كانت له الوسيلة المدعو له أرفع بيقين من الداعي فلتكن لقولنا: كما صليت على إبراهيم الحافظ الواعي.
(و قال) : الشوق يزول باللقاء والاشتياق يزيد بالالتقاء لا يعرف الاشتياق إلا العشاق من سكن باللقاء قلقه فما هو عاشق عند أرباب الحقائق. وقال: من قام بالخدمة عند طرح الحرمة والحشمة، فقد خاب وما نجح وخسر وما ربح الخادم في مقام الإذلال فما له وللدلال وما له وللسؤال إن لم يكن الخادم كالميت بين يدي الغاسل لم يحظ من مخدومه بطائل إذا دخل الخادم على مخدومه واعترض ففي قلبه مرض فَزٰادَهُمُ اَللّٰهُ مَرَضاً ولَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ بِمٰا كٰانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة: 10] وهم لا يشعرون فبالحرمة تنال الرغائب في جميع المذاهب. وقال: إذا كانت حركة المتواجد نفسية فليست بقدسية وعلامتها الإشارة بالأكمام، والمشي إلى خلف وإلى قدام، والتمايل من جانب إلى جانب، والتفريق بين راجع وذاهب، وقد أجمع الشيوخ على أن مثل هذا محروم مطرود السماع لا يتقيد بالنغمات المعهودة في العرف إذ في ذلك الجهل الصرف فإن الكون كله سماع عند صاحب الاستماع، والإيقاع أوزان واللّه تعالى وضع الميزان فالوجود كله موزون فلا تكن المحروم المغبون ما أشبه الليلة بالبارحة عند صاحب السماع بالقلب والجارحة. وقال: كل كرامة لا تتصل بالقيامة فليس هي كرامة فاحذر من الاستدراج في المزاج القرآن كله. قال اللّه وما فيه قط تكلم اللّه فلو جاء فيه تكلم اللّه ما كفر به أحد ولا أنكر فضله ولا جحد ألا ترى قوله: وكَلَّمَ اَللّٰهُ مُوسىٰ تَكْلِيماً [النساء: 164] كيف سلك به نهجا قويما فأثر فيه كلامه وظهرت عليه أحكامه فإذا أثر القول فما هو لذاته فافهم. وفرق بين القول والكلام تكن من أهل الجلال والإكرام، كما تفرق بين الوحي والإلهام في اليقظة والمنام. وقال: لو تكرر شيء في الوجود لضاق النطاق ولم يصح الاسم الواحد بالاتفاق وبطل كون الممكنات لا تتناهى ولم يثبت ما كان به بنياها من قال بالرجعة بعد ما طلق فما طلق وكان صاحب شبهة وما تحقق الطرق الرجعي رحمة بالجاهل الغبي لو قلنا في الرجال برجعة الطلاق لما وقع عليه الاتفاق فإنه نكاح جديد فمذهب أهل الأشرار أن لا تكرار مع ثبوت العادة والإيمان بالإعادة. وقال: ما من آية في القرآن إلا وهي أكبر من أختها وإن تولدت عنها وقامت لها مقام بنتها فقد يكون الولد أعظم في القدر من الوالد ولكن في الشاهد لا في الغائب إلا في موضع واحد وهو ما تولد عندك من العلم بربك عن معرفتك بنفسك وإن كان ليس من جنسك فذلك العلم لهذا العلم كالولد وهذا الولد أعظم من هذا الولد عند كل أحد وما سوى هذا في الغائب فليس بصائب فلا تقس الغائب على الشاهد فإنه مذهب فاسد فرحم اللّه أبا حنيفة ووقاه كل خيفة حيث لم يحكم على الغائب. وقال: حكم وحي النائم المحفوظ حكم اليقظان بالدليل والبرهان، وهو بمنزلة الصاحب في الاستماع عند أهل الاتباع لكن لا ينبغي له أن يتخذ ذلك شرعا يتعبده وإن كان بحمده وهذه فائدة سرجها متوقدة من شجرة مباركة من تشاجر الأسماء ويكفيك هذا الإيماء. وقال: «السفر قطعة من العذاب» لما يتضمنه من فراق الأحباب. وقال: إنما كان المسافر فردا شيطانا لبعده عن الجماعة والاثنان شيطانان لعدم الناصر وتوقع ما تقوم به الشفاعة، والثلاثة ركب محفوظ وهو بعين اللّه ملحوظ فهم أهل الأمان غالبا في السفر لما عليهم من الخفر التثليث من أجل المحدث والمحدث والحديث ما كفر القائل بالثلاثة وإنما كفر بقوله: ثٰالِثُ ثَلاٰثَةٍ [المائدة: 73] فلو قال: ثالث اثنين لأصاب الحق وزال المين. «ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما» يريد أن اللّه تعالى حافظهما يعني: في الغار في زمان هجرة الدار. وقال: البقاء لا يصح على شأن واحد لما في المحدثات من طلب الزائد إذ الأمر شؤون فلا يزال يقول للأشياء: كن فتكون الوجود له كله نصب وتعب ولهذا قال: فَإِذٰا فَرَغْتَ فَانْصَبْ [الشرح: 7] فما فرغ إلا اشتغل، ولا قضى منه عمل إلا استعمل وقد كان في العمل صاحب راحة لأنه استراحة إذا كان الرحمن كل يوم في شأن فما ظنك بالأكوان فما قال: بأن العدم شر إلا من جهل الأمر فليس الشر إلا العدم الذي ما فيه عين ولا يجوز على المتصف بدر كون وليس هذه إلا المحال الذي هو شر محض على كل حال وبخلاف العدم الذي يتضمن الأعيان. وقال: الشطح فتح فمن شطح بحق فما شطح وهذا من أعظم الملح إلا أنه يلتبس على السامع فلا يعرف الجامع من غير الجامع ولهذا الالتباس جعله نقصا بعض الناس من باب سد الذريعة لما فيه من نطق المخلوق بألفاظ شنيعة لا تجيزها الشريعة، فمن تقوى في فتح الفتح لم يظهر عليه شيء من الشطح ألا ترى ما قال صاحب القوة والتمكين في إنفاذ الأمر: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» فانظر إلى أدبه في تحليه كيف تأدب مع أبيه وما ذكر غير إخوته. وقال: ما أصعق الكليم إلا الذي دك الجبل العظيم وما أفاق الكليم من صعقته إلا لما بقي عليه من أداء نبوته ولا يلزم من كون خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس أن يكون أقوى من الناس فسلم تسلم واعرف الأمر واكتم. وقال: من كان جميع أمرك بيده فأنت لديه ما برحت منه حتى تسأل عنه، لم يرد خبر بالصفات لما فيها من الآفات بخلاف الأسماء، ألا ترى من جعله موصوفا كيف يقول إن لم يكن كذلك كان مؤوفا ولفظ المؤوف شنيع عند أهل التشريع وما علم من جعله موصوفا أن الذات إذا توقف كمالها على الوصف حكم عليها بالنقص الصرف، ومن لم يكن كماله لذاته افتقر كماله إلى صفاته والحق بإجماع كل واحد ليس بأمر زائد.
وقال: لو لا الأغيار ما كانت الأسرار والسر ما كان بينك وبينه وأخفى من السر ما ستر عنك عينه. وقال: ما أعجب ما يعتقده أهل التوحيد وصفه بالقريب البعيد قريب ممن بعيد عمن؟ هو أقرب مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ [ق: 16] إلى جميع العبيد. وقال: الاتصال ليس من مقامات الرجال كيف يتصل به أجنبي لا يقول بهذا إلا غبي ففي الكتاب المنزل المثلية وإنما الأعمال بالنية. وقال: ما كان بالحلول فهو معلول وهو مرض لا دواء لدائه ولا طبيب يسعى في شفائه من فصل بينك وبينه فقد أثبت عينك وعينه ألا ترى قوله: «كنت سمعه الذي يسمع به» فأثبتك بإعادة الضمير إليك ليدل عليك وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد وأما القائلون بالحلول فهم أهل الجهل والفضول فإنهم أثبتوا حالا ومحلا وعينوا حراما وحلا فمن فصل فنعم ما فعل ومن وصل فقد شهد على نفسه بأنه فصل والشيء الواحد لا تصل نفسه إلا إذا تجزأ والواحد لا يصح فيه انقسام إلا بأمر زائد على ذاته وما ثم إلا مصنوعاته. (قلت) : فكذب واللّه من افترى على الشيخ رحمه اللّه بأنه يقول بالحلول والاتحاد فتأمل واللّه أعلم.
وقال: لو انقطع الأصل لانقطع النسل للتواصل سبب التناسل سواء كان من نكاح ومن سفاح. وقال: إن نظرت بغير عينه بعظيم بينه وبينه هو فضله ووصله على هذا وقع الاصطلاح عند الشراح فهو من أسماء الأضداد كالقرء في الطهر والحيض المعتاد. وقال: ليس من الملة القول بالعلة إذا لحق عند أهل الملة لا يصح أن يكون لنا علة لأنه تعالى قد كان ولا أنا فلماذا العنا؟ من كان علة لم يفارق معلوله كما لا يفارق الدليل مدلوله ولو فارقه ما كان دليلا ولا كان الآخر عليلا، وما قال بالعلة إلا من جهل ما تعطيه الأدلة القول بالعلة معلول بواضح الدليل وليس إلى مخالفته سبيل فإن أحكام الحق في عباده لا تعلل وهو المقصود المؤمل. وقال: ما أظهر الشتاء والقيظ إلا تنفس جهنم من الغيظ، فغيظها علينا في العاجل دليل على الآجل أكل بعضها بعضا فأقرضها اللّه فينا قرضا فنرجو أن يكون ما يصيب المؤمن هنا من حرورها وزمهريرها يحول في القيامة بينه وبين سعيرها وقد جازت من اقترضها في الدنيا بالخمود عنه في الأخرى فتقول: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي. فالأدباء الأعلام يعتقدون القضاء ويحاسبون نفوسهم على ما مضى. وقال: لا يلزم من الإيمان بالوقفية للحق تعالى الجهة ولا إلزام الشبه الجهة ما وردت والفوقية قد ثبتت فانظر ما ترى وكن مع أهل السنة من الورى.
وقال: التلوين دليل على التمكين نزل في سورة الرحمن كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: 29] إنما كان الثلث الآخر من الليل فيه البركة لأن فيه الحركة فلا يصغى لقول من قال: كل يوم تتلون غير هذا بك أحسن وقال: جميع ما في الوجود أفعاله مع أنه حرم الفواحش فسلم ولا تناقش.
وقال: «إن اللّه لا يمل حتى تملوا فارتحلو وحلوا» قيد نفسه تعالى في عقدكم فقال: وأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: 40] تنبيها لكم على الأدب وخروجا لكم عن الريب، وقال: من نظر في ظله علم أن حكمه في الحركة والسكون من أصله فتحرك بحركته لا بتحريكه فإياك والابتداع. وقال: من قام بالحق صدق في كل ما نطق من قام السيف وإن عدل صاحب حيف وإذا كان الأصل معلول فصاحبه مخذول لأنه أصل فاسد يحرم العبد الفوائد. وقال: الطريق ساقة وقادة إما إلى شقاوة وسعادة فاعرف الطريف وتخير الرفيق تنج من عذاب الحريق.
![]() |
![]() |





