(مقام الصمت و حاله و حكمه)
و له (أي للصمت) حال و مقام. فاما مقامه فهو أنه لا يرى (السالك) متكلما إلا من خلق الكلام في عباده، و هو اللّٰه تعالى"خالق كل شيء". فالعبد صامت بذاته، متكلم بالعرض. و أما حاله فهو أن يرى أن اللّٰه و إن خلق الكلام فيه، فالعبد هو المتكلم فيه، كما هو المتحرك يخلق الحركة فيه. و لا يصح أن يصمت (العبد) مطلقا أصلا،
فإنه مامور بذكر اللّٰه، في أحوال مخصوصة، أمر وجوب. فهو (أي الصمت) مقام مقيد بصفة تنزيه لأنه وصف سلبي، و حكمه في ظاهر الإنسان، و أما باطنه فلا يصح فيه صمت فإنه كله ناطق بتسبيح اللّٰه.
فالصمت محال، و إنما الكلام على الصمت المعلوم في العرف. و من تخلل صمته كلام، في غير فرض و لا ذكر لله، فما صمت.
(الصامت في طريق اللّٰه)
فالصامت هنا هو الذي يقيم نشاة مصمتة الأجزاء، لا يتخللها حيز فارغ، مقدر: حينئذ يكون صامتا. و إذا أراد الإنسان أن يختبر نفسه: هل هو ممن صمت كما ينبغي؟ فلينظر: هل له فعل بالهمة المجردة، فيما من شانه أن لا يفعل إلا بالكلام أم لا؟ فان أثر و حصل
المقصود فهو صامت حقيقة. مثل أن يريد أن يقول لخادمه: "اسقني ماء، أو ائتني بطعام، أو سر إلى فلان فقل له: كذا و كذا"-و لا يشير إلى الخادم بشيء من هذا كله. -فيجد الخادم في نفسه ذلك كله، بان يخلق اللّٰه في سمع الخادم جميع ما خطر لهذا الصامت، فيفعله الخادم.