"العلى"، و توبة الخلق مقرونة ب"إلى"لأنه المطلوب بالتوبة، فهو غايتها. و اجتمع الحق و الخلق في"من"من التوبة. فهم (أي الخلق) رجعوا إليه (-تعالى-) من أنفسهم، و العارفون رجعوا إليه (-تعالى-) منه، و العلماء بالله رجعوا إليه من رجوعهم إليه، و أما العامة فإنها رجعت من المخالفات إلى الموافقة، و الحق-عز و جل-رجع إليهم من كتابة: "إن يخذلكم"، ليرجعوا إليه بحسب ما تقتضيه مقاماتهم التي فصلناها آنفا. فرجوع الحق عليهم ليرجعوا إليه (هو) مثل قوله (-تعالى-) : "يحبهم و يحبونه"-فرجوعه عليهم (هو) رجوع عناية محبة أزلية ليتوبوا، فإذا تابوا أحبهم (-سبحانه-) حب من رجع إليه: فهو حب جزاء.
قال تعالى: إِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلتَّوّٰابِينَ -فهذا الحب منه
ما هو الأول. -و للعبد حب آخر، زائد على قوله: "و يحبونه"، و هو أنه قال ص: "أحبوا اللّٰه لما يغذوكم به من نعمه"-فهذا حب جزاء المنعم لما أنعم به عليهم. فهذا الحب منهم (هو) في مقابلة: "إن اللّٰه يحب التوابين"-حب جزاء لحب جزاء، و الأول (هو) حب عناية منه (-تعالى-) ابتداء، و حبهم إياه (هو) حب إيثار لجنابه، لا حب آلاء و نعم. فالتوبة منهم (ناشئة) عن محبة منه (-تعالى-) ، منتجة لمحبة أخرى منه (-تعالى-أيضا) . فهي (توبة) بين محبتين متعلقتين بهم من اللّٰه. كتوبته (-سبحانه-) عليهم (هي) عن محبة منهم تنتج محبة أخرى منهم: فتوبته عليهم (هي بدورها) بين محبتين أيضا. -و هذا من باب"خلق اللّٰه آدم على صورته"-أي جميع ما تقبله الحضرة الإلهية من الصفات، يقبلها"الإنسان الصغير"و"(الإنسان) الكبير".
(حد التوبة و بيان ركنها الأول)
و حدها (أي التوبة) : ترك الزلة في الحال، و الندم على
ما فات، و العزم على أنه لا يعود لما رجع عنه. و يفعل اللّٰه بعد ذلك ما يريد. -فاما ترك الزلة في الحال (و هو الركن الأول في حد التوبة) فلا بد منه، لأن سلطان وقته الحياء. و الحياء يحول بسلطانه بين من قام به و بين تعدى حدود اللّٰه. و من أسماء اللّٰه تعالى، المذكور في السنة، (الاسم) "الحيي"و أن"اللّٰه يستحيى يوم القيامة من ذى الشيبة". -فحياء اللّٰه من العبد أنه قد أعلمه أنه-سبحانه-"لا يتوبون إليه حتى يتوب عليهم".
فإذا وقف المخذول، الذي لم يتب اللّٰه عليه فلم يتب إليه، و كان في حال وقوفه بين يديه يوم القيامة ذاكرا في نفسه هذه الآية: "ثم تاب عليهم ليتوبوا". -استحيا اللّٰه منه أن يؤاخذه بذنب.