فيتقدم"النور"إلى أعيان الممكنات فينفر عنها ظلمة نظرها إلى نفسها و إمكانها، فيحدث لها بصرا هو بصره، إذ لا يرى إلا به. فيتجلى (الحق تعالى) لتلك العين بالاسم"الجميل"فتتعشق به، فتصير عين ذلك الممكن مظهرا له. فتبطن العين من الممكن فيه (-تعالى-) ، و تفنى عن نفسها فلا تعرف أنها محبة له-سبحانه-، أو تفنى عنه بنفسها، مع كونها (في الواقع) على هذه الحالة، فلا تعرف أنها مظهر له-سبحانه-و تجد من نفسها أنها تحب نفسها. فان كل شيء مجبول على حب نفسه، و ما ثم ظاهر إلا"هو"في عين الممكن. فما أحب اللّٰه إلا اللّٰه!
و العبد لا يتصف بالحب إذ لا حكم له فيه، فإنه ما أحبه منه سواه (-تعالى-) الظاهر فيه: و هو (-سبحانه-) "الظاهر". فلا تعرف (عين الممكن) أيضا أنها محبة له (-تعالى-) فتطلبه و تحب أن تحبه، من حيث إنها ناظرة إلى نفسها بعينه، فنفس حبها أن تحبه، هو بعينه حبها له. و لهذا يوصف هذا"النور"بانه له أشعة، أي أنه (شعشعاني"-لامتداده من الحق إلى عين الممكن ليكون مظهرا له-بنصب الهاء، لا اسم فاعل.
فإذا جمع من هذه صفته بين المتضادات في وصفه، فذلك هو صاحب الحب الإلهي، فإنه يؤدى (هذا الحب) إلى إلحاقه بالعدم عند نفسه، كما هو في نفس الأمر.
فعلامة الحب الإلهي حب جميع الكائنات، في كل حضره معنوية أو حسية أو خيالية أو متخيلة. و لكل حضرة (من هذه الحضرات) عين من اسمه (-تعالى-) "النور"تنظر بها إلى اسمه"الجميل"، فيكسوه
ذلك النور حلة وجود. فكل محب ما أحب سوى نفسه. و لهذا وصف الحق نفسه بانه يحب المظاهر. و المظاهر عدم في عين. و تعلق المحبة (إنما يتحقق) بما ظهر، و هو (-تعالى-) الظاهر فيها. فتلك النسبة بين الظاهر و المظاهر هي الحب. و متعلق الحب إنما هو العدم، فمتعلقها هنا الدوام و الدوام ما وقع فإنه لا نهاية له، و ما لا نهاية له لا يتصف بالوقوع.
و لما كان الحب من صفات الحق حيث قال: "يحبهم"، و من صفات الخلق حيث قال: "و يحبونه"، -اتصف الحب بالعزة لنسبته إلى الحق و وصف الحق به. و سرى (الحب) في الخلق بتلك النسبة العزية، فأورثت (هذه النسبة) في المحل ذلة من الطرفين. فلهذا ترى المحب يذل تحت عز الحب، لا عز المحبوب. فان المحبوب قد يكون مملوكا للمحب،